image image image image image image image
(خواطرك القرآنية ) قيمة القُرآن في اليَوم الآخِر 2-2 * ويَأتي موقف رَهيب آخَر؛ تُوقَف فيها تِلك الجَحافِل السَّوداء القَاتمة مِن البَشر؛ ليُسألوا مَرَّة أُخرى عَن آياتِ الله؛ فتَخرَس ألسنُتُهم؛ ولا يُحيرونَ جَوابا، ولا يملكون خطابا! [النمل :83- 85]. تعليق: "أماذا كُنتم تَعمَلون" سؤال مِحوري جَوهري مَصيري؛ ينبَغي أن يَكُون هاجِسَ كلِّ إنسان عَلى وَجه الأَرض... هل يَشتَغل بالآيات البيِّنات أم يتَلهَّى بالسَّفاهات والتَّفاهات!!
*في ذَلك السُّكون الرَّهيب يتذَكَّر الشَّقي رُفقَاء السُّوء الذين كانُوا يَقتُلون أوقَاتَه في الفارِغات على حِساب الذِّكر فيَعُضُّ على أصابِع النَّدم... حقا إنَّه يَوم الحَسرَة!! الفُرقان.. [مريم : 39-40].
* اعتِراف تِلو اعتِراف مِن طَرف الأشقياء، وشَهادة على أنفُسِهم بأنَّهم فرَّطُوا في جَنب الله، وكانُوا من السَّاخرين!! [الأنعام : 130].
* ثمَّ يُجثَونَ على رِكابِهم، وتُعرض عَليهم صَحائِف أعمالِهم؛ فأمَّا السَّعيد فيُقال لَه: طِبت؛ ادخُل جنَّة ربِّك خالدا مُخلَّدا! وأمَّا الشَّقي فيُقال لَه: ألَم تَكُن آياتي تُتلى عَليك؟!! الجاثية.
* يُوزَع الأَشقياءُ بَعد انتِهاء المُساءَلة إلى النَّار ويُساقُون كَما تُساقُ الأَنعام؛ حتَّى إذا وَصلوا إلى شَفيرِ جهنَّم؛ تُفتَّح لَهُم أبوابَها؛ وقَبل أن يُنبَذُوا فيها يسألُهم خَزنَتُها: ألم يأتِكم رسل مِنكم يتلُون عليكُم آيات ربِّكم؟!! [الزمر :71- 72].
* هؤلاء الَّذين كانُوا يَنهَون عَن الوحي وينأونَ عَنه، ويَقعُدون في كلِّ صِراط يُوعِدون ويصُدُّون، كأنَّهُم حُمر مُستَنفرَة فرَّت مِن قَسوَرة؛ ما أغنى عَنهُم جَمعُهم وما كانوا يستَكبِرُون؟!! الأنعام. * وحينَ تُقامُ عَليهم الحُجَّة، ولا يَجدُون مَرجعا ولا مَحيصا؛ يُلقَون في جَهنَّم؛ وأوَّل ما تَمُسُّ أجسَادُهم نَار جَهنَّم؛ ويسمَعُون شَهيقَها وزفيرَها، تسألُهم خَزَنتُها كرَّة أُخرى عَن النُّذُر التي جاءَتهم؛ كيفَ تصرَّفُوا مَعها!! المُلك.
* ويبدَأ صُراخُهم وعَويلُهم مِن لَظى جهنَّم؛ ويَطلُبُون الخُروج ليَعمَلوا غَير الذي كانُوا يَعمَلُون؛ فما هُو جَواب الباري عزَّ وجل لَهم؟! [فاطر:36- 37]. تعليق: " أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ" أي: أولَم نُعطِكُم عُمرا كافيا في الدُّنيا لتَتفرَّغُوا للآيات؛ دراسة ومُدارسَة؛ تمثُّلا وتَبليغا؛ فأفنيتُم أعمارُكم سُدى في ما لا طائِل مِنه ولا نَفع؟!!
* ويشتَدُّ لَفح النِّيران عَليهِم؛  وتُنزَع مِنهم الشَّوى، ويُضرَبُون بالمَقامِع والحَديد؛ فيطلُبون الخُروجَ مرَّة أُخرى؛ فيُذكّرون بِعظَمة الوَحي؛ ويُقطَع رَجاءُهم نِهائيا في النَّجاة!! . المُؤمنون.
* وحينَ ييأسُون مِن استِجابَة الله لَهُم؛ يتَّجِهُون إلى مالِك خازِن جهنَّم يَطلُبُون مِنه الدُّعاء لِيَقضِيَ الله عَليهِم فَيمُوتوا؛ فماذا يُجيبُهم! لا شَيء غَير تَذكيرِهم بالحقِّ المُنزَّل عَليهم!! [الزخرف : 78].
* وتتبخَّر أمانيهِم في القضاءِ عَليهِم؛ بعدَ أن أبلَسُوا مِن الخُروج وأيِسُوا؛ فيتَوجَّهُون إلى خَزَنَة جهنَّم يطلُبُون مِنهم أن يَدعُوا ربَّهم يُخفِّف عَنهُم يَوما مِن العَذاب؛ فتُذكِّرهم الخَزنة إهمالَهم البيِّنات، وعَدم اكتِراثِهم بِها في الدُّنيا!! غافِر
* ماذا بَقيَ لَنا بَعد كلِّ هَذه القَوارِع والزَّواجِر حتَّى نتَصالَح مَع كِتابِ ربِّنا؟! وهل بَقيَ في أذهانِنا مَشرُوع نُسبِّل لَه أوقاتَنا، ونُضحِّي فيه بأنفُسِنا وأموالِنا غَير دِراسَة الكِتاب العَزيز، وتعلُّم قَوانينِه وتبليغٍها للعالَمين؟! أمَا آنَ لَنا أن نَعُودَ إلى القُرآن عَودَة جِدِّيَّة ونَفرَح بِه كَما يُريدُ مِنَّا خالِقُنا، ونُعيدُ إلَيه مَرجعيَّته ومِحوريَّته في كلِّ مَجال مِن مَجالاتِ حياتِنا؟! الزُّمر.
(الإيمان والحياة) الإيمان وإيقاظ القوى الكامنة لدى الإنسان
عندما يتمكن الإيمان من القلب تزداد رغبة العبد في القيام بكل ما يحبه ربه ويرضاه فتجده يتحدى الصعاب، ويتحمل الشدائد في سبيل ذلك . .. الإيمان الحي يوقظ القوى الخفية داخل الإنسان ويجعله دومًا يتحدى أوضاعًا أقوى منه، ويجتاز مصاعب أعظم بكثير من حدود إمكاناته ..
.. اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ، وكانوا قلة مستضعفين فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يُجهر لها به قط، فمن رجل يُسمعهم إياه ؟ فقال عبد الله بن مسعود : أنا أُسمعهم إياه. فقالوا : إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة تحميه وتمنعه منهم إذا أرادوه بِشَر. فقال : دعوني فإن الله سيمنعني ويحميني .
ثم غدا إلى المسجد حتى أتى مقام إبراهيم في الضحى، وقريش جلوس حول الكعبة، فوقف عند المقام وقرأ  : بسم الله الرحمن الرحيم – رافعًا بها صوته -  ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾  [الرحمن/1-4] .
ومضى يقرؤها، فتأملته قريش وقالت: ماذا قال ابن أم عبد ؟! تبًّا له، إنه يتلو بعض ما جاء به محمد، وقاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه والدم يسيل منه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال : والله ما كان أعداء الله أهون في عيني منهم الآن، وإن شئتم لأُغَادينَّهم بمثلها غدًا، قالوا : لا،  حسبك، لقد أسمعتهم ما يكرهون.
.. وهذا عمرو بن الجموح يرى أبناءه الثلاثة يتجهزون للقاء أعداء الله في أُحد، فعزم على أن يغدو معهم إلى الجهاد، لكن الفتية أجمعوا على منع أبيهم مما عزم عليه، فهو شيخ كبير طاعن في السن، وهو إلى ذلك أعرج شديد العرج، وقد عذره الله فيمن عذرهم، فقالوا له : يا أبانا، إن الله عذرك، فعلام تُكلف نفسك ما أعفاك الله منه ؟! فغضب الشيخ من قولهم، وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوهم، فقال : يا نبي الله، إن أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير وهم يتذرعون بأني أعرج، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنائه: « دعوه ؛ لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة ». فخلوا عنه إذعانًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما إن أزِف وقت الخروج، حتى ودع عمرو بن الجموح زوجته، ثم اتجه إلى القبلة ورفع كفيه إلى السماء وقال: « اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائبًا ». ثم انطلق يُحيط به أبناءه الثلاثة .. ولما حمي وطيس المعركة، وتفرق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شوهد عمرو بن الجموح  يمضي في الرعيل الأول ويثب على رجله الصحيحة وثبًا وهو يقول : إني لمَشتاق إلى الجنة، إني لمَشتاق إلى الجنة، وكان وراءه ابنه « خلَّاد »  ومازال الشيخ وفتاه يجاهدان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرَّا صريعين شهيدين على أرض المعركة، ليس بين الابن وأبيه إلا لحظات.
وإن تعجب من أثر الإيمان فعَجَبٌ إصرار عبد الله بن أم مكتوم على الجهاد  وهو أعمى، وسفره مع جيش سعد بن أبي وقاص إلى القادسية لملاقاة الفرس، وهو لابس درعه، مستكمل عدته، فيتقدم ليحمل راية المسلمين ... وهو أعمى !! ويحافظ عليها إلى أن قُتل شهيدًا، وهو يحتضن الراية !!
(التربية الإيمانية) كيف يربي القرآن القلب (التربية الإيمانية) 4 - 4 القرآن والسير إلى الله : كما أن لدى القرآن القدرة على تغيير سلوك صاحبه وذلك بالعمل المستمر على زيادة الإيمان في قلبه وطرد الهوى منه، فإن لديه القدرة كذلك  على السير به إلى الله والاقتراب الدائم منه حتى يصل العبد إلى درجة الصديقية، وهي الدرجة التي تلي الأنبياء في القرب من الله عز وجل وذلك من خلال ما يعرف بـ «أعمال القلوب».
أعمال القلوب : أعمال القلوب هي العبادات التي ينبغي أن يمارسها القلب عند تعرضه لأحوال معينة. فعندما يتوجه البدن بطاعة من الطاعات، كالصلاة أو الانفاق ينبغي أن يصاحب ذلك عبادة قلبية تُسمى الإخلاص لله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
والعبودية التي ينبغي أن يكون فيها القلب عند ورود النعم عليه: الشكر لله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 144].
والصبر هو عبودية القلب التي ينبغي أن تلازمه عند ورود المصائب أو الابتلاءات عليه، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج: 35].
والخشوع والخضوع والتواضع هي عبوديته عند ذكره لله عز وجل وتذكَّر عظمته وكبريائه مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2].
وعبادة التوكل على الله والاستعانة به ينبغي أن تصاحب القلب قبل القيام بأي عمل: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159].
والتقوى هي الحال التي ينبغي أن يكون عليها القلب بعد القيام بأي طاعة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
والرضا هو الحال الذي ينبغي أن يستقبل به القلب أقدار الله عز وجل وبخاصة المؤلمة منها. وعلى قدر القيام بهذه الأعمال تكون عبوديته لربه، ومن ثَم قربه منه.
فإن قال قائل ولكن كيف يمكننا القيام بهذه الأعمال القلبية، وما هو دور القرآن في ذلك ؟ قبل الإجابة بهذه عن هذا السؤال لابد أن يتطرق الحديث حول منشأ هذه العبادات والفرق بين الحال والمقام.
الحال والمقام : عندما تبلغ مسامع شخص ما أخبار ساره فإنه يعيش في حالة من الفرح والسرور، وعكس ذلك يكون عند تلقِّيه أخبارا محزنة، هذه الحالة تزول بعد فترة من تعرضه للمؤثرات التي أثرت فيه، فإذا ما كان المؤثر شديدا أو استمر في تعرضه له لفترة طويلة، فإن هذه الحالة الشعورية التي انتابته ستلازمه لفترة أطول من الزمن، وهذا ما يُسمَّى بالمقام، أي أنه أقام في هذه الحالة واستمر عليها.
فالحال إذن هو الحالة الشعورية الطارئة التي تنتاب الشخص عند تعرضه لمؤثر ما، ولا يصبح هذا الحال مقاما إلا إذا عاش فيه ولازمه وأقام فيه، فقد تتلقى امرأة خبرا بوفاة زوجها الذي هو في نفس الوقت شقيقا لواحد من الناس وابن عم لواحد آخر.. بلا شك سيعيش الجميع في حالة من الحزن عند وقت تلقيهم النبأ، هذه الحالة ستزول عند ابن العم في وقت أقصر منه عند الأخ، أما الزوجة ففي الغالب أن حالة الحزن ستلازمها وقتا طويلا فتظل في مقام الحزن.
.. هذا من ناحية المشاعر، أما من ناحية السلوك فعلى قدر استثارة المشاعر تكون القوة الدافعة للعمل، فعلى قدر قوة المؤثر يكون العمل المُصاحب، وعلى قدر الاستمرار أو المقام في الحالة الشعورية المستثارة يكون الاستمرار في العمل المصاحب.
فالبكاء مثلا عمل مصاحب لمشاعر الحزن عندما تتمكن من القلب وسرعة استدعائه مرتبطة ببقاء هذه المشاعر في حالة من التوهُّج.
فإذا ما اتضح هذا الأمر فما علينا إلا أن نُسقطه على عبادات القلوب. فالشكر عبادة قلبية تنتج من استثارة مشاعر الحب لله عز وجل، هذه الحالة الشعورية قد تكون طارئة فيعيش القلب شاكرا لله عز وجل في لحظات معدودة، وقد تستمر الحالة فترة طويلة فيستمر القلب في مقام الشكر مما يدفعه إلى القيام بأعمال تُعبِّر عن هذه العبادة القلبية كسجود الشكر، وقيام الليل، وكثرة حمد الله عز وجل باللسان وذكر نعمه والتحدث عنها.
والشعور بالاحتياج إلى الله عز وجل يستدعي عبودية الاستعانة به سبحانه وتعالى، وعلى قدر قوة الحالة الشعورية يكون العمل المُصاحب والذي يمثله الدعاء إلى الله عز وجل بإلحاح وصدق. واستمرار هذه العبودية وهذا العمل مرهون ببقاء تلك الحالة الشعورية.
وعندما تهيج مشاعر الحياء من الله عز وجل يعيش القلب في عبودية المراقبة والإخلاص والتي قد تصل إلى الإحسان المذكور في حديث جبريل المشهور أي أن تعبد الله كأنك تراه.
وعندما ينتاب الشخص شعور بالعجز والانكسار لله عز وجل يعيش قلبه في عبودية الاستسلام والخضوع لله عز وجل.
وعندما تتأجج مشاعر الخوف من الله عز وجل في القلب فإنه يعيش عبودية التقوى له سبحانه.
أما عبودية الإنابة والتوبة فيتجه إليها القلب عندما تستثار مشاعر الرغبة والطمع فيما عند الله عز وجل.
.. هذه الأحوال المختلفة التي قد تطرأ على مشاعر العبد تجعل قلبه يتقلب في ألوان من العبودية لله عز وجل بقدر ما تمكث هذه الأحوال، وما من مؤمن بالله عز وجل إلا وعاش فيها ولو للحظات، ولكنه لا يلبث أن يعود إلى سابق عهده من الغفلة بعد ذهاب المؤثر القوي.
الطريق إلى العبودية : إذن لكي يصبح القلب في عبودية تامة ودائمة لله عز وجل يجب أن تكون مشاعره متوجهة إلى الله عز وجل وبصورة مستمرة مما يجعل استثارة أي منها تتم بأدنى مؤثر، فيؤدي ذلك إلى توجه القلب إلى العبادة المناسبة للمشاعر المُثارة وبصوة تلقائية، فإن أصابته سرَّاء شكر وإن أصابته ضراء صبر، وإن عزم على أمر توكل على الله، وكلما توجه القلب إلى العبودية المناسبة فإنه بذلك يسير إلى الله ويقترب منه.
ولكن كيف يمكننا أن نصل إلى هذه الحالة القلبية من خلال القرآن ؟ الطريق الذي يسلكه القرآن للوصول بصاحبه إلى هذه الحالة يتلخص في قدرة القرآن على إنشاء الأحوال المختلفة التي يعيشها القلب وذلك بتنوع مؤثراته عليه فتارة يُخوفه بذكر يوم الحساب وما فيه من أهوال، ويذكره النار وما تحتويه من ألوان العذاب، وبعاقبة المكذبين من الأمم السابقة.. وتارة يُرغبه بذكر الجنة وما فيها من ألوان النعيم، وتارة يستثير فيه مشاعر الحب بكثرة ذكر النعم، وتارة يستثير مشاعر الاحتياج إلى الله بعرض جوانب الفقر إليه..
هذه الأحوال التي ينشئها القرآن في القلب تتحول بمرور الأيام إلى مقامات ثابتة يعيشها القلب، وذلك من خلال كثرة استثارته للمشاعر المختلفة ودوام الضغط عليها حتى تتمكن الأحوال الطارئة من القلب فتصبح مقامات ثابتة.
أهمية الانشغال بالقرآن: ولكي يصل المرء إلى هذه الحالة لابد له من كثرة قراءة القرآن ودوام التفكر في الآيات.. لابد أن تأخذ آيات القرآن وقتها الكافي مع القلب لتستقر الأحوال التي تثمرها فيه، فتنتج هذه الأحوال عبادات قلبية.. هذه العبادات ستدفع صاحبها للقيام بالأعمال الصالحة التي تعبر عنها. وهذا ما كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم – كما سيمر علينا بمشيئة الله في الفصل القادم – كانوا يأخذون عشر آيات فقط من النبي صلى الله عليه وسلم فيعيشون معها بكل جوارحهم فتحدث لهم أبلغ الأثر من تغيير في عقولهم، وتعبيد قلوبهم لله عز وجل، وتدفعهم لسرعة الاستجابة والمبادرة للقيام بأي عمل صالح يُعبر عن عبوديتهم التامة لربهم.. ثم ينتقلون بعد ذلك إلى غيرها.
تأمل معي حالهم وقد امتلأت قلوبهم حبًّا لله عز وجل نتيجة لتفاعلهم مع آيات القرآن التي لا تخلو من بيان سور كرمه سبحانه على عباده وإنعامه عليهم...  تأمل معي وقد هاج عليهم هذا الحب والتعات به قلوبهم، فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بذلك ويقولون له: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا، فأنزل عز وجل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
من أجل ذلك كانوا يظلون فترة طويلة في حفظ السورة من القرآن، فلقد أتم عمر بن الخطاب حفظ سورة البقرة في اثني عشر عاما، أما ابنه عبد الله فقد أتمها في ثماني سنين.
إن حفظ سورة البقرة لا يستغرق عدة أسابيع أو شهور إن كان الأمر يقتصر على حفظ ألفاظها فقط، أما إذا كان الأمر مرتبطا بتأثير القرآن على العقل ليعيد تشكيله، وعلى القلب ليعبده لله عز وجل، فالأمر بلا شك سيختلف، وسيحتاج إلى سنين كما فعل عمر ابن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما. تم بتوفيق الله سبحانه
(خواطرك القرآنية ) قيمة القُرآن في اليَوم الآخِر 1-2
* الخالِق العَظيم عظَّم كَلامَه ومجَّده ورَفَعه إلى عِلِّيِّين؛ ولَكنَّ أكثَر النَّاس لا يَعلمُون!! [الحجر : 87].. [قـ : 1].. [الزخرف : 4].. عبس.. [هود : 17].. [فصلت :1- 4].. [الأنبياء : 24].
* المُؤمن السًّعيد المُستَمسِك بالكِتاب؛ يَقطِف بَركات القُرآن ووُعُودَه في الدُّنيا، ويَحيا حياة سَعيدَة طيِّبَة... [يونس:57- 58].. [الإسراء : 82].. [المائدة:15-16].. [البقرة: 38].. [طه : 123]..
* كَما كانَ في الدُّنيا يَحيا حياة طيِّبَة؛ فإنَّه يَمُوتُ بإذن الله مِيتَة طيِّبة... [النحل : 32].
* ويَوم القِيامَة يُسألُ السَّعيدُ سُؤال كَرامَة عمَّا وَجَد في هَذا القُرآن؛ فيُجيبُ بِجَواب مُوجز جامِع... إنَّني وَجدت كلَّ خَير!! [النحل : 30].
* وأمَّا الشّقي المُعرِض؛ فكاَن في الدُّنيا يتَّخِذ كَلام الله هُزؤا ولَعبا؛ ويَضرِبُ لَه الأَمثال، ويَطلُب لَه بَدائل!! [الأنفال : 31].. [النحل : 24].. [فصلت : 26].. [يونس : 16].. [الحج : 72].. [سبأ : 31].
* وجزاءَ إعراضِه وصُدُودِه وتولِّيه؛ فإنَّ القُرآن يُذيقُه الويلات والحَسرات، ويُحييه في الدُّنيا حياة ضَنك وعُسرَة ومَشقَّة... [طه :124].. [الحاقة : 50].. [الإسراء : 82].. [فصلت : 44].. [البقرة : 26].
* والله تَعالى مِن رحمَته يُذيقُه مِن العَذاب الأَدنى صُنوفا وأَلوانا؛ علَّه يَرجِع ويَتُوب، ويُمسِّك بالكِتاب، ولَكِن لا جَدوى... [السجدة : 21]..
* وحينَ لا تَنفَع الضَّربات المُوجِعَة، تَأتي الضَربَة القَاصمة التي تُودي بِحياةِ الإنسان؛ لتَفتَح لَه صَفحَة مِن العَذاب لا تنتَهي (والعياذُ بالله)... [الأنعام : 93].
* هذا جَزاء الظّالم الأليم المَرير في سَكرات المَوت؛ هَوان ما بَعدَه هَوان؛ وذلَّة لا تُضارِعُها ذِلَّة؛ والسَّبب؛ الاستِكبار عَن آيات الله ، وهُجران كَلامِه!! الجَاثية.
* والظَّالمُ في القُرآن أصالَة؛ هُو مَن ظَلم الآيات؛ وكلُّ أنواع الظُّلم الأُخرى فَرع عَن هذا الأَصل.. [الكهف : 57].
* يُحس الشَّقي بِعَظمة القُرآن مِن لَحظَة الوَفاة؛ التي هي أوَّل مَحطَّات الدّار الآخِرة.. المؤمنون. تعليق: العَذاب في هذه الآيات السَّابِقة؛ مَقصُود بِه العَذاب القاصِم الذي يُؤدي إلى المَوت كَما هُو واضِح مِن السِّياق؛ والسؤال: بماذا يُذَكَّر الغافِل السَّادِر عَن الحق في مِثل تِلك اللحظات العِصاب؟! لا شَيء إلا الآيات!! (المؤمنون: 66).
* ثمَّ تأتي لَحظَة البَعث والنُّشور، والحَشر إلى ربِّ العِزَّة والجَلال؛ فيُوقَف الأَشقياء في كلِّ مرَّة يُسَألون عَن وَحي الله تَعالى؛ ماذا فعلُوا فيه؟! [الصافات :22- 26].
* مسؤولون؟! عَن ماذا؟! طبعا؛ عَن الوَحي... كل أمَّة تُدعى إلى كِتابِها!! [الزخرف : 44].
* يَحشُرهُم الله تَعالى على وُجوهِهم عُميا وبُكما وصُما بالسَّلاسِل والأَغلال؛ لأنَّهم نَسُوا الله، واتخذوا آياتِه نِسيا مَنسيَّا؛ فَنسيَهم، ولَم يأبَه في أيِّ واد حُشروا!! طَه.. غافر.
* يقفون في المَحشَر ناكِسي الرُّؤوس، خاشِعينَ من الذُّل يَنظُرون مِن طَرف خَفي، ويعتَرفون أنَّهم كانُوا في غِطاء عَن ذِكر الله!! [السجدة : 12-13].
* ويَعتِرفون أنَّ رُسَلهم جاءَتهم بالحقِّ المُبين، ولكنَّهم كانوا لَه كارِهُون؛ فيطلُبون الشُّفعاء أو الرُّجوع، ولَكن وَلاتَ حينَ مَناص!! [الأعراف : 53]. تعليق: "هل يَنظُرون إلاد تأويلَه" يَعني هَل يَنتَظِرون إلا وُقوعَ حقائق القُرآن أمامَ ناظِريهِم حتَّى يُؤمنوا بِها؟! ولكن حينَ يأتي ميعاد تلك الحَقائق لا يَنفَع نَفسا إيمانُها؛ لم تَكُن آمَنت مِن قَبل أو كسبت في إيمانِها خيرا!!
يتبع إن شاء الله ،،،
(الإيمان والحياة) الإيمان يزيد الرغبة في الله عز وجل كلما ازداد الإيمان بالله عز وجل ازدادت ثقة العبد فيه سبحانه وبأنه مالك الملك ، المتصرف في شؤون كل ذرة فيه ، العليم الخبير الذي لا تغيب عنه أي حركة أو سكنة في هذا الكون .. القادر المقتدر ، الغفور الرحيم ... .
وبنمو هذه الثقة في القلب تزداد رغبة العبد في ربه فيصبح ذهنه مشغولًا بالتفكير فيه ، وقلبه حاضرًا معه .. فيتوجه إليه بالأعمال ، ويتزينله بالأفعال التي ترضيه .. يُكثر من مناجاته وبث أشواقه إليه ... يسترضيه كلما قصَّر أو زلَّت قدمه ... يطلب منه المساعدة في كل أموره ، والشهادة على ما يحدث له .
وفي المقابل: يصغُر حجم الناس في نظره وتقل الثقة فيهم حتى تنمحي من حيث كونهم لا يملكون له نفعًا أو ضرًّا ، فلا يتزين لهم في أفعاله ، ولا يسعى لعلو منزلته عندهم ، بل يستغني عنهم ، وينقطع من قلبه الطمع فيهم ، ومن ثَّم لا يرائيهم بأقواله أو أفعاله .. إن الرياء صورة بغيضة تعكس جهلًا عظيمًا بالله عز وجل ، وضعفًا شديدًا في الإيمان به .. هذه الصورة يمكنها أن تضمحل وتنمحي تلقائيًّا بزيادة الإيمان الحقيقي بالله والثقة فيه .
الراغبون في الله: -      يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر ، فقال: يا رسول الله .. غبتُ عن أول قتال قاتلته المشركين ، لئن أشهدني الله قتال المشركين لَيَرَيَنَّ الله مني ما أصنع .
فلما كان يوم أُحد وانكشف المسلمون ، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء (يعني: المسلمين) ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعنى: المشركين) ، ثم تقدم فاستقبل سعد بن معاذ ، فقال: يا سعد ، الجنة ورب النضر ، إني أجد ريحها دون أحد . قال سعد: فما أستطيع أن أصف ما صنع [رواه البخاري ].
- ويقول سعد بن أبي وقاص: لما كانت « أحد » لقيَني عبد الله بن جحش وقال: ألا تدعو الله ؟ فقلت: بلى . فخلونا في ناحية ، فدعوت ، فقلت: يارب إذا لقيت العدو فلَقِّني رجلًا شديدًا بأسه ، شديدًا حرده ، أقاتله ويقاتلني ، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه ، فأمَّن عبد الله بن جحش على دعائي ، ثم قال: اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده ، شديدًا بأسه ، أقاتله فيك ويقاتلني ، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني ، فإذا لقيتك غدًا قلت: فيم جُدع أنفك وأذنك ؟ فأقول: فيك وفي رسولك ، فتقول: صدقت .
قال سعد: كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرًا من دعوتي ، لقد رأيته آخر النهار ، وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط [البيهقي، والحاكم وصححه]
..وعندما أراد مشركوا مكة قتل خبيب بن عدي رضي الله عنه طلب منهم أن يتركوه ليركع ركعتين ، فوافقوا . فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ، ثم أقبل على القوم فقال: أما والله ، لولا أن تظنوا أني إنما طوَّلت جزعًا من القتل لاستكثرت من الصلاة . ثم رفعوه على خشبة ، فلما أوثقوه قال: اللهم إنَّا قد بلغنا رسالة رسولك ، فبلغه الغداة ما يُصنع بنا ..
وبعد أن صلبوه أنشد شعرًا قال فيه : فذا العرش صبِّرني على ما يُراد بي        فقد بضعوا لحمي وقد بان مطمعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ                   يبارك على أوصال شِلْوٍ ممزَّع لعمري ما أحفِلْ إذا مت مسلمًا                على أي حال كان في الله مضجعي
(التربية الإيمانية) كيف يربي القرآن القلب (التربية الإيمانية) 3 - 4 القرآن وزيادة الإيمان : مع دور الإيمان العظيم في دخول الإيمان للقلب فإنه يعمل كذلك على زيادته فيه وذلك من خلال ثلاث وسائل :
الأولى: أنه بنفسه يزيد الإيمان : فكما مرَّ علينا سابقا أن معاني الإيمان، اتجاه المشاعر إلى الله عز وجل.. معنى ذلك أن الإيمان يزداد في لحظات التجاوب والانفعال القلبي لكل ما هو لله. والقرآن يقوم بذلك من خلال قدرته على التأثير في مشاعر قارئه بمواعظه البليغة وسلطان ألفاظه وبخاصة عند ترتيلها والتغني بها.
.. نعم في البداية قد يكون التجاوب بطيئا بين العقل والقلب، ولكن بالمدوامة على القراءة مع يقظة الذهن سيزداد التجاوب والانفعال.. هذا التجاوب يعني زيادة الإيمان في القلب، وكلما استثمر الشخص لحظات التأثر بترديد الآية التي أثرت فيه: ازداد الإيمان في قلبه.
الثانية: الطاقة المتولدة من القرآن: فاستثارة المشاعر تولد طاقة في نفس صاحبها، فإن استثمر تلك الطاقة بحُسن تصريفها في أعمال مصاحبة للقراءة كالدعاء أو السجود مثلا: ازداد الإيمان أكثر وأكثر، وهذا ما نجده في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107 - 109].
فعندما ترجم هؤلاء الصالحون شعورهم عند استماعهم للقرآن بالسجود والبكاء، انعكس ذلك على القلب بزيادة خشوعه وخضوعه لله عز وجل.
الوسيلة الثالثة: الدلالة على أوجه البر: فالقرآن يدل على أعمال من شأنها أن تزيد إيمانه كالصلاة والصيام وقيام الليل.
فعلى سبيل المثال: نجد القرآن كثيرا ما يستحث القارئ على الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[الروم: 38]. فالإيمان كما نعلم يزيد بالطاعة وتنقص بالمعصية، فإذا ما قام العبد بهذه الأعمال فإن أثرها يعود على القلب مرة أخرى بزيادة مساحة الإيمان فيه.
القرآن وشفاء القلب : السبب الرئيسي لمرض القلب هو الهوى، وشفاؤه بالإيمان، وطريقة القرآن الفريدة في شفاء القلب هو «الإحلال» بمعنى استخدام قوة الإيمان ليحل محل الهوى كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18].
ويضرب القرآن مثلا لهذه الطريقة في العلاج، يقول تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: 17].
القرآن وحياة القلوب ( الولادة الثانية ) : بالمداومة على قراءة القرآن ومع ازدياد فترات تجاوب القلب مع العقل: يزداد الإيمان شيئا فشيئا، ويحل محل الهوى في القلب، إلى أن تأتي لحظة من أجمل لحظات الحياة وهي تحرر القلب بالكامل من الهوى وولادته من جديد: قلبا حيا، يقظا، نابضا، يتحرك ويخشع، ويجده صاحبه معه عندما يريده.. هذه اللحظة السعيدة سماها العلماء «الولادة الثانية».
يقول ابن القيم: «فللروح في هذا العالم نشأتان: إحداهما النشأة الطبيعية المشتركة، والثانية نشأة قلبية روحانية، يولد بها قلبه وينفصل عن مشيمة طبعه كما وُلد بدنه وانفصل عن مشيمة البطن، ومن لم يصدق هذا فليضرب عنه صفحا وليشتغل بغيره.
وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: أن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام قال للحواريين: «إنكم لن تلجوا ملكوت السماوات والأرض حتى تولدوا مرتين» ([1]). وعندما تتم هذه الولادة، ويُولد القلب الحي، عندئذ تبدأ رحلته المباركة في السير إلى الله للوصول إلى معرفته في الدنيا والقرب منه في الآخرة.   يتبع في الحلقة القادمة إن شاء الله ...،

([1]) مدارج السالكين ( 3/146).
(خواطرك القرآنية ) لا يكون في ملك الله إلا ما يريد
إن القاعدة القرآنية "إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ" قاعدة محسومة عقلا وعرفا وواقعا وتاريخا..

.. فكم فكّر أقوام "إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ" وكم احتالوا، وكم خططوا، وكم دبروا ثم لم يكن في النهاية إلا ما أراده الله سبحانه وتعالى، ثم انقلب السحر على الساحر "كما يقولون"، ثم كان العذاب والخذلان جزائهما "وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً" ؟!!

.. فهذه قاعدة مطبقة من القدم إلى قيام الساعة: لن يكون في ملك الله إلا ما يريد..

[الرعد: 41، 42]

[النمل: 50 - 53]

[الطارق: 15 - 17]