أقل ما يختم فيه القرآن 2

في كم يُختم القرآن؟!

فإن قال قائل : قد ورد عن بعض السلف ختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام كختم سيدنا عثمان القرآن في ركعة!! وختم الإمام الشافعي القرآن في رمضان ستين مرة أي مرتين في اليوم!! وآخر كان يختم ختمة فيما بين الظهر والعصر، ويختم ختمة أخرى فيما بين المغرب والعشاء، وآخر كان يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات !! وغيرها من الآثار الواردة في الكتب وبخاصة كتب فضائل القرآن , فما رأي السادة العلماء المحققين فيها ؟؟

نجيب أنه من المعلوم أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لم يُجز لأحد من الصحابة أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث.

فهذا عبد الله بن عمرو يقول: جمعت القرآن فقرأت به في كل ليلة، فبلغ ذلك النبي –صلى الله عليه وسلم- ، فقال لي: «اقرأ به في كل شهر» فقلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأ به في كل عشرين»، قلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فقال: «اقرأ به في كل عشر»، قلت: يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: «اقرأ به في كل سبع»، قلت: أي رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى»(1).

وفي رواية: «لا يفقهه من يقرؤه في أقل من ثلاث»(2). فالأمر واضح، فالعقل والقلب لا يتحملان استيعاب القرآن كله – فهما وتجاوبا – في أقل من ثلاث، على الغالب.

.. يقول أبو الطيب محمد شمس الحق آبادي في تعليقه على هذا الحديث: وهذا نص صريح في أنه لا يختم القرآن في أقل من ثلاث(3).

وعن ابن مسعود قال: اقرأوا القرآن في سبع ولا تقرأوه في أقل من ثلاث(4).

وكان معاذ بن جبل يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث(5).

وفي يوم من الأيام قال النبي –صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة»، فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟! فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن» (سورة الإخلاص) (6).

فإجابة الصحابة تدل على استصعابهم قراءة ثلث القرآن في ليلة، لأنهم يعلمون حقوق القراءة.


(1) رواه النسائي في فضائل القرآن، وأحمد في مسنده (199) وابن ماجه (1346).

(2) أخرجه الإمام أحمد، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة ح (1513).

(3) عون المعبود 4/187.

(4) أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح.

(5) فضائل القرآن لأبي عبيد ص 179.

(6) رواه البخاري ومسلم.

.. إن جملة الأحاديث الصحيحة التي وردت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- في مسألة الحد الأدنى لختم القرآن تؤكد على أنه –صلى الله عليه وسلم- لم يُرخِّص لأحد ختمه في أقل من ثلاثة أيام.

فإن قلت بأن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – كان يقرأ القرآن في ركعة.

فإن الإمام ابن كثير يقول : إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفقهون ويتفكرون فيما يقرأونه مع هذه السرعة والله سبحانه وتعالى أعلم(3).

وذكر الذهبي في ترجمة “أبي بكر شُعْبَة بن عيَّاش” أنه مَكَثَ نحوًا من أربعين سنة يختم القرآن في كلِّ يوم وليلة مرة، وعلَّق على ذلك فقال: “وهذه عبادةٌ يُخْضَعُ لها، ولكن متابعةُ السُّنة أوْلى، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – نهى عبد الله بن عمرو أن يقرأ القرآن في أقلَّ من ثلاث، وقال – عليه السلام -: “لم يَفْقَهْ مَنْ قرأ القرآن في أقل من ثلاث” “سير أعلام النبلاء: 8/ 442”.

(ختم القرآن في أقلّ من ثلاث خلاف السُّنَّة) قاله الشيخ الألبانيُّ -رحمه الله- في ” الصَّحيحة ” (5/600)، ثُمَّ ساق هذا الحديث:
(كانَ لا يَقْرَأُ القرآنَ في أقلّ من ثلاثٍ) [” الصَّحيحة “: (2466)].

ثُمَّ قال -رحمه الله-:

(ولا يُشكِل على هذا ما ثَبَتَ عن بعض السَّلَف، ممَّا هو خلاف هذه السُّنَّة الصَّحيحة؛ فإنَّ الظَّاهر أنَّها لَمْ تبلغهُم. وما أحسنَ ما قال الإمام الذَّهبيُّ -رحمه الله تعالى- في ترجمة الحافظ وكيع بن الجرَّاح، في كتابه العظيم ” سير أعلام النُّبلاء ” (7/39/2) وقد روى عنه أنَّه كان يصوم الدَّهر، ويختم القرآن كلَّ ليلة:

” قلتُ: هذه عبادة يخضع لها، ولكنها من مثل إمامٍ من الأئمَّة الأثريَّة مفضولة، فقد صحَّ نهيه -عليه السَّلام- عن صوم الدَّهر، وصحَّ أنَّه نهى أنْ يُقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث، والدِّين يُسر، ومتابعةُ السُّنَّة أوْلَى، فرضيَ الله عن وكيع، وأين مثل وكيع؟ ومع هذا فكان ملازمًا لشرب نبيذ الكوفة الَّذي يسكر الإكثار منه، وكان متأوِّلاً في شربه، ولو تَرَكَه تورُّعًا لكان أوْلَى به، فإنَّ مَن توقَّى الشُّبهات؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه. وقد صحَّ النَّهي والتَّحريم للنَّبيذ المذكور، وليس هذا موضِع هذه الأمور، وكلُّ أحدٍ يؤخَذ من قوله ويُترَك، فلا قدوة في خطأ العالِم، نَعَم، ولا يُوبَّخ بما فَعَله باجتهادٍ، نسأل الله المسامَحة “) انتهى من ” السِّلسلة الصَّحيحة ” (5/601).

ومن قبل الذهبي، ذكر خطيب السُّنة الإمام الجليل أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قُتَيْبَة، في كتابه “تأويل مُشْكِل القرآن: ص 233” قال: (ولم يفرض الله على عباده أن يحفظوا القرآن كلَّه، ولا أن يَختموه في التعلُّم، وإنما أنزله ليعملوا بمُحْكَمه ويؤمنوا بمتشابِهه، ويأتمروا بأمره، وينتهوا بزَجْره، ويحفظوا للصلاة مِقدار الطاقة، ويقرؤوا فيها الميسور، قال الحسن البصري: “نزل القرآن ليُعمل به؛ فاتَّخذ الناس تلاوته عملاً”.

وكان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم- وهم مصابيح الأرض، وقادَة الأنام، ومنتهى العلم – إنما يقرأ الرجل منهم السورتين والثلاث والأربع، والبعض والشَّطر من القرآن، إلاَّ نَفَرًا منهم وفَّقهم الله لِجَمْعِهِ، وسهَّل عليهم حفظه.

قال أنس بن مالك: “كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدَّ فينا، أي جلَّ في عيوننا، وعَظُمَ في صدورنا”)انتهى كلامه.

قال الشيخ شعيب الأرناءوط معلقاً على ختم الشافعي للقرآن ستين مرة في رمضان في تحقيقه لسير أعلام النبلاء للذهبي: (وهدي النبي صلى الله عليه وسلم هو الواجب الإتباع، فإنه لم يأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، وقال: ” لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ” أخرجه أبو داود (1394)، والترمذي (2950) من حديث عبد الله بن عمرو، وإسناده صحيح ).

قال أبو عبيد في فضائل القرآن معلقاً على أثر عثمان بن عفان وغيره :

“إلا أن الذي أختار من ذلك أن لا نقرأ القرآن في أقل من ثلاث للأحاديث التي ذكرناها عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه من الكراهة لذلك”.

والخلاصة :

أن كثيراً مما يذكر في ختم السلف للقرآن في أقل من ثلاثة أيام :

1- ورد عن قليل منهم فليس هو بمذهب عامة السلف.

2- هذا القليل الكثير منه لا يصح عنهم سنداً.

3- وما صح عنهم فهو إما لأنه لم يبلغهم النهي عن ذلك وإما أنه خاص بأحوال معينة كاستغلال مواسم الخير كرمضان وغيره.

4- وحتى ختمه في أقل من ثلاث مشروط بتدبره كما يقول ابن كثير.

5- ومع كل هذا فهو مخالف للسنة النبوية وخير الهدي هدي سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم-.

ولعل السبب وراء تناقل هذه الآثار -دون التثبت من صحتها- هو استثارة همم المسلمين في الانكباب على القراءة، والانشغال بها.

وللأسف جاءت هذه الأخبار بنتيجة عكسية، وازداد الحرص على القراءة لمجرد القراءة، وخمدت الدعوة لتفهم القرآن وتدبره والتأثر به، وقد ظهر هذا الحرص بصورة واضحة في شهر رمضان، وجميعنا يعرف ما يحدث في هذا الشهر من تسارع وتنافس بين الناس في عدد الختمات، دون أي التفات إلى تدبر أو تأثر.

والله تعالى أعلى واعلم.