شهادتي للقرآن

الدواء الشافي

طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: ابن القيم   
الخميس, 21 حزيران/يونيو 2012 13:43

Add this to your website

ومن نِعم الله علينا في القرآن إلى جانب أنه الناصح الأمين والمُبصِّر القويم، أنه الشافي – بإذنه سبحانه – لأدوائنا وأسقامنا الحسية والمعنوية، العقلية والقلبية، وهو إذ يشفينا من هذه الأمراض وغيرها فهو بذلك يأخذنا إلى ربنا ويهدينا إليه ويعرفنا به سبحانه، يقول ابن القيم: فالقرآن بصيرة وتبصرة، وهدى وشفاء ورحمة، فهو هدى للعالمين، وموعظة وهدى للمتقين، فهو في نفسه هدى ورحمة، وشفاء وموعظة.

فمن اهتدى به واتعظ واشتفى، كان بمنزلة من استعمل الدواء الذي يحصُل به الشفاء، فهو دواء له بالفعل.

والقرآن هدى بالفعل لمن اهتدى به، وبالقوة لمن لم يهتد به، فإنما يهتدي به ويرحم ويتعظ المتقون الموقنون[1].

ويقول في موضع آخر:

ليس لشفاء القلوب دواء قط أنفع من القرآن، فإنه شفاؤها التام الكامل الذي لا يُغادر فيها سقما إلا أبرأه، ويحفظ عليها صحتها المطلقة، ويحميها الحمية التامة من كل مؤذ ومضر، ومع هذا فإعراض أكثر القلوب عنه، وعدم اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنه كذلك، وعدم استعماله، والعدول عنه إلى الأدوية التي ركبها بنو جنسها حال بينها وبين الشفاء به، وغلبت العوائد، واشتد الإعراض، وتمكنت العلل والأدواء المزمنة من القلوب[2].

ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظن بكلام رب العالمين، الذي فَضْله على كل كلام كفضل الله على خلقه، الذي هو الشفاء التام، والعصمة النافعة، والنور الهادي، والرحمة العامة، الذي لو أنزل على جبل لتصدع من عظمته وجلالته. قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}[3] [الإسراء: 82].

القرآن وأمراض القلوب:

إذا كان القلب هو الملك على جميع الأعضاء، وهو المسئول الأول عن التزام المرء عتبة العبودية أو الاستكبار عنها، فإن تَوَطُّن المرض، واستفحال الداء يكون فيه، والقرآن مَعنِيٌ بعلاج هذه الأمراض دقيقها وجليلها، كبيرها وصغيرها، يقول ابن القيم عن هذه الأمراض ودور القرآن معها: جماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات، والقرآن شفاء للنوعين، ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يُبيِّن الحق من الباطل، فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه.

وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية: من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد، والنبوات، ورد النحل الباطلة، والآراء الفاسدة مثل القرآن؛ فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول، وأفصحها بيانًا؛ فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك.

لكن يبقى السؤال: متى يسري مفعول هذا الدواء في القلوب؟ يستطرد ابن القيم فيقول: ولكن ذلك موقوف على فهمه، ومعرفة المراد منه، فمن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عَيانًا بقلبه كما يرى الليل والنهار.

وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة، والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده، ويَرْغب عما يضره، فيصير القلب مُحبًّا للرشد مبغضًا للغي؛ فالقرآن مزيل للإمراض الموجهة للإرادات الفاسدة فيصلح القلب فتصلح إرادته ويعود إلى فطرته التي فطر عليها فتصلح أفعاله الاختيارية الكسبية كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق، كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن، فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه ويؤيده ويفرحه ويسره وينشطه ويثبت ملكه كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه، وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح، فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو بالأغذية المصلحة له والحمية عما يضره فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه ومنع ما يضره فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو ولا يتم صلاحه إلا بذلك، ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو نزر يسير لا يحصل له به تمام المقصود[4].



[1] إغاثة اللهفان (2/196-171).

[2] زاد المعاد (4/101).

[3] المصدر السابق ص (177).

[4] إغاثة اللهفان (1/44-46).

تاريخ آخر تحديث: الخميس, 21 حزيران/يونيو 2012 14:07
 

تعليقات 

 
#1 2013-05-11 18:33
جزاكم الله خيرا
اقتبس
 

أضف تعليق