تزكية النفس

الموت لأعدائي

الكاتب: الدكتور سلمان العودة

نعم! إنه هتاف الـ ” أنا ” التي جعلت من ذاتها مركزاً للكون ، ومستقراً للحقيقة ، وأيقنت أن تصوراتها ومبادئها وحلولها

ونظراتها ها وآراءها هي الحق المطلق ، وأن معارضيها هم المعوِّق الجوهري للإصلاح والنجاح والاستقرار . فصارت

تتمنَّي لهم الموت العاجل الزُّؤَام ” المفزع شديد الذعر ” وربما تشاهده في الأحلام ،

أي أحدهم عدوه يموت ، فقال له المعبِّر : طولة عمر .

هذا المنطلق الذي يسوغ للمرء أن يتجاوز القيم النبيلة والمبادئ الشريفة في الخصومة ، كيف لا ! وهو الحق ، وما سواه الباطل ؟ وهو الصلاح ، وما سواه الفساد والكساد ؟!

هو الذي يحمل المرء علي الإطاحة بفساد مخالفيه ، وهيهات أن يكون لهم فضائل ، وهم خصومه وأعداؤه !

وهو الباعث علي السعي الدؤوب في عرقلة مشاريعهم ، لأنها مشاريع الخيانة والعدوان !

وهو الدافع للاستعداء والتهويل والتحريض المعلن والمستور، المباشر وغير المباشر !

هو يدعو إلي “القتل ” .

فإذا لم يكن القتل ممكناً ، فيلجأ صاحبه إلي “القتل المعنوي ” بالمحاصرة والتشويه ، وقطع الرزق ، وتعويق المحاولات ، والاتهام وسوء الظن والوقيعة !

هل هذا هو الإخلاص للمبدأ الذي تعلمناه ؟

كلَّا فإن الله الرحيم وسِع كل شيء رحمة وعلماً ، وسِع عبادَه كلَّهم ، برَّهم وفاجرَهم رزقا وعافية وإمهالًا ، وفتح لهم في هذه الدار من أسباب السعادة والنجاح والتوفيق والسؤدد والمجد والغني ، وفق النواميس والسنن ، ما يشترك فيه المؤمن والكافر .

وحين دعا إبراهيم عليه السلام (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) قال الله : ( وَمَنْ كَفَرَ ) { البقرة :126 }

قال ابن عباس رضي الله عنهما : ” كان إبراهيم احتجَرها علي المؤمنين دون الناس فأنزل الله ( وَمَنْ كَفَرَ ) أيضا، فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين “

وحين استُؤذن رسول الله صلي الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام أن يُطبِقَ علي أهل مكة الأخشبين ، عدل عن ذلك إلي ما هو خير وأصل ، وقال بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ” { أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي[1] الله عنها .

إن وجود المعاندين والكفار والمنافقين ينطوي علي حِكَم إلهية ومعان ربانية ومقاصد جليلة ، حتى قال الحسن البصري رحمه الله : ( لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات )”1 “

وفيه معني الابتلاء والدعوة والصبر والمنافع المتبادلة والأسرار العظيمة .

فَلِمَ يضيق صدُرك وقلبك بمخالفيك ، حتى تظن أن الحياة لا تطيب مع وجودهم ، وتحصر أملك في أن تسمع خبرهم وقد ودعوا ورحلوا :

وتردد : تخفيف ورحمة !

أوكما يقول الشاعر :

إذا ما مات ذو علم وتقــــوى فقد ثلمت من الإسلام ثلمـــــه

وموت الحاكم العدل المولي بحكم الارض منقصة ونقمــــــة

وموت فتي كثير الحود محل فإن بقاءه خصــــب ونعمـــــــــة

وموت الفارس الضرغام هدم فكم شهدت له بالنصر عزمـــــه

وموت العــــابد القــــوام ليــلا يناجي ربـــــه في كلــــــــــــة

فحسبك خمسة تبكي عليهم وموت الغير تخفيف ورحمــــــــه

وباقي الخلق من همج رعــاع وفي إيجـــــادهم لله حكــــــمه

أو لعلك تنشد مع أبي القاسم الشابي قوله :

أيها الشعب! ليتني كنت حطــا با فأهوي علي الجذوع بفأســـــــي!

ليتني كنت كالسيول إذا سالــت تهد القبور : رمسا برمــــــــــــــــــــــــس!

لين لي قوة العواصف ، يا شـع ـبي فألقــــي إليــــــك ثورة نفــــــــســي !


ليتني كنت ساعة ملك الموت فأفني الثقال حتــــــــــــي يبديــــــــــــــوا

ولو كان الأمر بيدنا لتفانينا ، ولكن حكمة الله أغلب وفضل الله أوسع !

لقد كان اليهود يتظاهرون بالتسليم وهو يقولون : السام عليك يا محمد ! والسام هو الموت .. كما هو في حديث عائشة رضي الله عنها قالت : أتي النبي صلي الله عليه وسلم أناس من اليهود ، فقالوا : السام عليك يا أبا القاسم . قال : ” وعليكم ” . قالت عائشة : قلت : بل عليكم السام والذَّامُ . فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ” يا عائشة ، لا تكوني فاحشة ” . فقالت : ما سمعت ما قالوا ؟ ! فقال : ” أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا ! قلت : وعليكم ” فنهانا النبي صلي الله عليه وسلم .

إنه لم يقل : ( عليكم ) وإنما قال : ” وعليكم ” إشارة إلي أن الموت قدر مشترك ، وحق علي رقاب العبيد كلهم ، ولا يخص مسلما من كافر .

اعتاد رجل أن يأتي باب أبي هريرة رضي الله عنه ، فيؤذيه ويثقل عليه . فقيل لأبي هريرة رضي الله عنه : قد مات . فقال : ” ليس في الموت شماتة “

وقال زياد : ” من سعادة المرء : أن يطول عمره ، ويري في عدوه ما يسره ” .

وهذا ضيق نفس واحتدام خصوم ، وإلا فالعاقل يدري أن الأعداء الصرحاء جزء من الناموس ، والدول العظيمة تصنع لها عدوًّا لتحشد طاقتها في مواجهته ، فضلًا عن أن معظم الخصوم ليسوا أعداءً علي الحقيقة ، وإنما بينك وبينهم من مشتركات الدين والمبادئ والقيم والأخلاق أكثر وأعظم من مواطن الاختلاف التي ينفخ فيها الشيطان ، وتُكَرِّسُها النفوس المريضة ، ويتشاغل بإثارتها الفارغون والبطَّالون .

أما مشتركات الدنيا ومصالحها فأمر وراء ذلك : والحكيم يقدر أن يروِّض الوحوش ويَسُوس الأسود ، واتساع البصيرة والعقل ، وإطار ذلك كله : القول اللين والموعظة الحسنة ومدافعة السيئة بالحسنة ، وتجاوز المواقف الخاصة ، والمجريات العابرة ، والذكريات المؤلمة .

أوربا – التي عاشت حربين عالميتين ، قتل في الأولي قرابة ( 15 مليون إنسان ) ، وقتل في الثانية ( حوالي 55 مليون ) ، وامتدت لسنوات ، وأكلت الأخضر واليابس – تسير نحو الوحدة في دستورها ومصالحها ، وقد تجاوزت الحدود بين دولها ، واندمجت في عمل وُحْدَوِي ُّعظيم .. فلماذا نجترُّ معارك وهمية حول فروع ومواقف وتمحُّلات وظنون – أو مواجهات بين قبائل -، أو احتكاكات بين مناطق ، أو تفاوتًّا بين تيارات ومذاهب ، لنجعل من الحبة قبة ولنحكم العزلة والقطيعة ، ولنجعل مشروعنا الذي أخلصنا له حياتنا وضحينا في سبيله ، وصرفنا جهدنا وعرقنا له ، هو إقصاء الخصوم وتهميشهم وقتلهم معنويًّا ، حيث لم يكن إلا ذاك ، وربما هم جعلوا مشروعهم قتلنا وإطاحتنا .. واتفقنا بالصدقة علي أن نجعل شعارنا الموحد من مادتين : المادة الأولي : أنا أحارب ، إذا أنا موجود !

المادة الثانية : لا يجتمع ولُّي الله وعدو الله .

ومنحنا أنفسنا صك الولاية ، وحرمنا منها مَن لا يتفق مع قناعتنا واجتهاداتنا .

هَبْهم جُهَّالًّا أو متأولين أو متلبسين بهوي خفيِّ لم يدركوه ، فربما وسعتهم رحمة الله !

وفي مسند أحمد بسند صحيح عن أبي موسي رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أُمَّتِي أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ إِنَّمَا عَذَابُهُمْ فِي الدُّنْيَا الْقَتْلُ وَالْبَلَابِلُ وَالزَّلَازِلُ قَالَ أَبُو النَّضْرِ بِالزَّلَازِلِ وَالْقَتْلِ وَالْفِتَنِ “

لا تسمح لقلبك أبدًا أ، يفرح بموت مسلم عابد لله لمجرد خصومة بينك وبينه ، فإن أَبَي قلبك إلا هذا ، فتخل عنه ، فإنه ليس قلبًا ، بل هو حجر من الحجارة ، بل الحجارة ألين منه وأرق ، فهي تبكي لموت المؤمن ، كما قال تعالي (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) {الدخان 29}

قال ابن عباس رضي الله عنهما ” إذا مات الإنسانُ بكَي عليه مكانُه من الأرضِ الذي كان يذكر الله فيه ويصلِّي فيه وبكي عليه بابُه الذي كان يصعَدُ فيه عملُه وينزِلُ منه رِزْقُه “

هذا الانتظار الطويل القاتل لموت فلان وفلان ..قد قتلك أنت قبلهم ، فاستدرِكْ ما بقي بإنجاز تتوب به من معرَّة استعجال القدر ، والغفلة عن حكم الله وحكمته ، وقراءة الحياة بصورتها الصحيحة الواسعة المرنة ، واخرج من وقعتك التي أسرت نفسك فيها ، إلي بحبوحة الرضا ولإيمان وضع نفسك موضعها ، بلا تعاظم ولا ازدراء 🙁 رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) { الحشر 10} .

[1] -أخرجه الفرياني في صفة النفاق وينظر مدارج السالكين