تزكية النفس

الحلقة الثالثة: مظاهر الإعجاب بالنفس وتضخم الذات

عندما يرضى الشخص عن نفسه ويعجب بها ويستعظمها، فإن هذا من شأنه أن ينعكس على خواطره وأفكاره وتصوراته، وسلوكه مع الآخرين، ومظاهر ذلك كثيرة نذكر منها.

كثرة الحديث عن النفس:

فتجد أحدنا يُكثر من الحديث عن نفسه ويزكيها، وخاصة إذا أحس بتميزه في جانب ما.

فالأب يتفاخر بأولاده وبطريقة تربيته لهم.

والموظف يتباهي بانضباطه في عمله وعدم تأخره ولو يومًا واحدًا عن موعد الحضور.

والطالب يتحدث عن كفاءته في المذاكرة، وقدرته على الفهم وحل المسائل الصعبة.

والداعية يُكثر من الحديث عن نفسه، وإنجازاته، ومدى التفاف الناس حوله، وتأثرهم به ..

وربة المنزل تتباهي ببيتها ونظافته وترتيبه، فتنسب العمل لنفسها ولا ترجعه إلى فضل ربها … وهكذا .

طلب الأعمال والتقدم إليها:

من مظاهر تضخم الذات، رؤية الشخص أنه أهل للقيام بالأعمال التي يرى في نفسه أنه مميز فيها ..

فالمدرس يقدِّم نفسه للآخرين لتدريس المادة الصعبة التي أعيت غيره.

وربة المنزل تقدِّم نفسها لعمل هذا النوع من الطعام الذي لا يُحسنه غيرها.

وصاحب الدعوة يُقدم نفسه لمناظرة فلان الذي يُثير الشبهات، ولسان حاله يقول: دعوه لي، فأنا أعرف كيف أتعامل مع هؤلاء … وهكذا .

صعوبة التلقي من الغير أو قبول النصيحة:

من مظاهر (الأنا) أو تقديس الذات: عدم قدرة صاحبها على قبول النقد بسهولة في الشيء الذي يرى نفسه فيه، وكذلك عدم القدرة على الاستماع أو التلقي من الآخرين، أو قبول النصح منهم، وبخاصة في الأمور التي يشعر فيها بتميزه ونبوغه.

فمدرس اللغة العربية يصعب عليه تلقي معلومة في البلاغة مثلًا من شخص ليس في مجاله، وكذلك معلم القرآن، والمهندس، والطبيب،… .

لذلك نجد الحوار بين هؤلاء وبخاصة الأقران منهم كحوار الطرشان، لا يسمع أحد منهم لأحد ..

ومن صور ذلك أيضًا الاستنكاف عن سؤال الغير في شيء لا يعرفه، وبخاصة إذا ما كان أصغر منه سنًا أو جاهًا أو خبرة.

استصغار الأخرين:

ومن مظاهر تقديس النفس كذلك: انتقاص الآخرين، ورؤية النفس دائمًا أعلى وأفضل منهم، وبخاصة في الجزئية المتضخمة عنده سواء كانت في حسب أو نسب أو مال، أو ذكاء، أو ألقاب ….

فتراه يأنف من التعامل أو التواد مع من هم أقل منه في المستوى .. فإن كان من أصحاب الألقاب صعبت عليه مصاحبة مساعديه ومن هم أقل منه رتبة .. وإن كان من أصحاب الأموال صعب عليه الجلوس مع الفقراء .. وإن كان من أصحاب الجاه عزَّت عليه مصاحبة المساكين …

ولقد كان الصحابة يخشون من هذه الآفة، فهذا عمر بن الخطاب يخاف أن يكون لديه بقية من كبر واستعظام النفس لكونه عربيًا، وأنه أفضل من سلمان الأعجمي فأراد أن يمحوها ويتأكد من خلو نفسه منها بطلبه من سلمان أن يتزوج ابنته.

أخرج ابن المبارك في الزهد أن عمر بن الخطاب قال لسلمان:

يا سلمان ما أعلم من أمر الجاهلية شيئًا إلا وضعه الله عنا بالإسلام، إلا أنا لا ننكح إليكم ولا ننكحكم، فهلم فلنزوجنك ابنة الخطاب …. أفر والله من الكبر. قال سلمان: فتفر منه وتحمله عليّ .. لا حاجة لي به[1].

المَنُّ بالعطايا:

من آثار رؤية النفس بعين الاستعظام، ونسيان أن الله عز وجل هو صاحب كل فضل ومنَّة: أن صاحبها لا يُعطي عطية لأحد، ولا يُقدم له خدمة إلا ويَمُنّ عليه بها وينتهز الفرصة المناسبة لتذكيره بخدماته وعطاياه، بل يعمل كذلك على استنطاق لسانه بمدحه وشكره، وقد يغضب منه إذا ما قصر في ذلك، ويصل به الأمر أحيانًا إلى أن يشكو لغيره على نكرانه للجميل.

كثرة أحلام اليقظة بالاشتهار بين الناس:

أما مجال خواطر الإنسان وحديث نفسه، فتجده كثيرًا ما يحلم بالشهرة وارتفاع شأنه بين الناس، وقيامه بأعمال خارقة تلفت إليه انتباه الجميع ..

ينظر إلى نفسه على أن له قدرًا عند الله بما يقوم به من أعمال …

… ينتظر الكرامات، ويستعظم أن ينزل به بلاء.

يلازمه الشعور بالأمان … يخاف على الناس أكثر مما يخاف على نفسه.

يظن أنه محسن، وهم مسيئون، وأنه ناج وهم هالكون، وأنه عالم وهم جاهلون، وأنه عاقل وهم حمقى، وأنه من طلاب الآخرة وهم من طلاب الدنيا.

التعالي على الناس:

وعندما تتعدد الجزئيات التي تتضخم داخل الإنسان فإن نفسه تتعاظم وتكبر شيئًا فشيئًا، ومِن ثَمَّ يزداد إعجابه بها وتقديسه لها، وينعكس ذلك على تعاملاته مع الآخرين..

… فتراه يكثر من نصح غيره ونقده، ولا يقبل نصيحة من أحد.

.. يحب أن يخدمه الناس ويكره أن يخدم أحدًا.

.. لا يمل من الحديث عن نفسه، وإنجازاته، وماضيه، ولو كرر ذلك مئات المرات، وفي نفس الوقت تراه يقطع غيره ولا يسمح له بالحديث عن نفسه كما يفعل هو.

.. لا يعطي الآخرين حقوقهم من التقدير .. ويضيق صدره إذا ما أثنى على أحد غيره .. يفرح بسماع عيوب الناس وبخاصة إذا ما كانوا أقرانه.

.. يبتعد عن كل ما ينقصه أو يظهره بمظهر الجاهل أو المحتاج إلى المعرفة.

.. إذا سُئل عن أمر من الأمور تراه يجيب دون دراية لينفي عن نفسه صفة الجهل (وإن رد عليه شيء من قوله غضب، وإن حاجّ أو ناظر أنِف أن يُرَد عليه وإن وعظ استنكف من قبول النصح .. وإن علم لم يرفق بالمتعلمين، وانتهرهم، وامتن عليهم، واستخدمهم )[2].

.. إن هذه المظاهر باختصار تعكس معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الكبر بطر الحق وغمط الناس “[3].

أمثلة من الواقع:

ومن الأمثلة العملية التي تكشف تضخم الذات ووجود الصنم:

إبليس: عندما كبرت عنده ذاته وتضخمت حدا به ذلك إلى عدم الانصياع لأمر الله بالسجود لآدم عليه السلام معللًا ذلك بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: 12].

صاحب الجنتين: الذي أعجب بما لديه من أموال وجنات، واغتر بها ولم يقبل نصح صاحبه، بل كبرت عنده نفسه حتى ظن أن سيكون له عند الله مكانة في الآخرة خير مما هو عليه في الدنيا ﴿ وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴾ [الكهف: 36].

ومن الأمثلة التي تبين ما يمكن أن يفعله الإعجاب بالنفس والكبر في السلوك ما رواه الماوردي في أدب الدنيا والدين عن عمر بن حفص قال: قيل للحجاج: كيف وجدت منزلك بالعراق ؟ قال: خير منزل، لو كان الله بلغني قتل أربعة لتقربت إليه بدمائهم، قيل: ومن هم ؟

قال: مقاتل بن مسمع: ولي سجستان، فأتاه الناس، فأعطاهم الأموال، فلما عزل دخل مسجد البصرة، فبسط الناس له أرديتهم، فمشى عليه، وقال لرجل يماشيه: لمثل هذا فليعمل العاملون.

وعبد الله بن زياد بن ظبيان التيمي: خوف أهل البصرة أمرًا، فخطب خطبة أوجز فيها، فنادى الناس من أعراض المسجد: أكثر الله فينا مثلك ! فقال: لقد كلفتم الله شططًا.

ومعبد بن زرارة كان ذات يوم جالسًا في طريق، فمرت به امرأة، فقالت له: يا عبد الله، كيف الطريق إلى موضع كذا ؟ فقال: يا هناه، مثلي يكون من عبيد الله!

وأبو شمال الأسدي، أضل راحلته، فالتمسها الناس، فلم يجدوها، فقال: والله إن لم يرد إلى راحلتي لا صليت له صلاة أبدًا، فالتمسها الناس فوجدوها، فقالوا: قد رد الله راحلتك فصل، فقال: إن يميني يمين مصر[4].

القصيمي:

ومن الأمثلة كذلك: عبد الله القصيمي، نال من العلم كثيرًا، وبرع فيه وخاصة علم العقيدة، جرد قلمه في الرد على مخالفي أهل السنة وله كتاب عن الوثنية قيل: إنه أروع ما كتب في بابه، قال عنه معاصروه: لم نره قط أبط كتابًا .. إلخ، لكن هذا الرجل كانت فيه دسيسة سوء وآفة مقيتة لم يستأصلها، الأمر الذي أدى إلى انتكاسه وضلاله وكفره بعد إيمانه، بل ألف في أهل التوحيد كتابًا يستهزئ فيه بهم وبدينهم، تلكم الآفة هي: العُجب والغرور، وقد شهد هذه الآفة شعره، ومنه:

لو أنصفوا كنت المقدم في الأمر

ولم يطلبوا غيري لدى الحادث النكر

ولم يرغبوا إلا إلي إذا ابتغوا

رشادًا وحزمًا يعذبان عن الفكر

ولم يذكروا غيري متى ذكر الذكا

ولم يبصروا غيري لدى غيبة البدر

فما أنا إلا الشمس في غير برجها

وما أنا إلا الدر في لج البحر

بلغت بقولي ما يرام من العلا

فما ضرني نقد الصوارم والسمر

أسفت على علمي المضاع ومنطقي

وقد أدركا لو أدركا غاية الفخر

وقال أيضًا:

حاشا لهم أن يعدلوا بي واحدًا

من بعد ماوضحت لهم أنبائي

وأعيذهم من أن يحيل أديبهم

وأديب كل الناس في النعماء

عابوا على تحدثي وتمدحي

بأصالتي وشجاعتي وذكائي

إن لم يبح مدح الفتى أخلاقه

بيضا فأى تمدح وثناء

نسأل الله تعالى العافية والعصمة من هذا الداء الوبيل[5].

[1] الزهد لابن المبارك ص 52 في زيادة نعيم بن حماد .

[2] إحياة علوم الدين 3 / 532، 533.

[3] رواه مسلم (1/93، رقم 91).

[4] أدب الدنيا والدين ص 232 .

[5] العجب لعمر بن موسى الحافظ ص 90، 91 نقلًا عن أخبار المنتكسين.