تزكية النفس

بين يدي التربية النفسية

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

فمما لاشك فيه أن التربية الإيمانية لها أثر كبير وفعال في دفع المرء للقيام بأعمال البر بسهولة ويسر، فكلما ازداد الإيمان في القلب كانت آثاره العظيمة في السلوك، قال تعالى ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [ الحج: 23 ].

ومع الأهمية القصوى لإيقاد شعلة الإيمان في القلب والعمل الدائم علي زيادته، يبقي أمر آخر علي نفس الدرجة من الأهمية ينبغي أن نهتم به كاهتمامنا بالتربية الإيمانية، ألا وهو المحافظة علي أعمالنا الصالحة التي نقوم بأدائها من كل ما يفسدها ويبعدها عن مظنة الإخلاص لله عز وجل…

ومن أهم الأمور التي يمكنها أن تفعل ذلك: إعجاب المرء بنفسه، ورضاه عنها ورؤيتها بعين التعظيم.

.. هذا الداء الخطير الذي يتسلل بخبث إلى النفوس من شأنه أن يحبط العمل ويفسده، بل تصل خطورته إلى حد الوقوع في دائرة الشرك الخفي بالله عز وجل.

معني ذلك أن الواحد منا يتعب ويبذل الكثير من أجل قيامه بعمل ما، ثم يأتي داء العجب فيقضي عليه ويحبطه.

ويكفي لبيان خطورة هذا الداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عده من المهلكات.

قال صلى الله عليه وسلم ” فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه”[1].

ومن سمات هذا الداء أن لديه القدرة علي التسلل بخبث إلى النفوس: نفوس العلماء، والعباد، والدعاة، والخطباء، والكتاب، وأصحاب المواهب والنجاحات، فهو يعرف طريقه جيدًا إلى كل نفس، ولا يكاد يتركها إلا بعد أن يضخها، ويعظم قدرها في عين صاحبها.

إنه أمر خطير ينبغي الانتباه إليه، وعدم الاستهانة به، أو إنكار وجوده داخلنا فنحن لا نريد أن نفاجأ يوم القيامة بأعمال صالحة تعبنا وسهرنا وبذلنا الكثير من أجل القيام بها، ثم نجدها وقد أحبطت بسبب هذا الداء.

ألا يكفينا الترهيب النبوي ” لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ” ؟![2]

وقوله صلى الله عليه وسلم: ” لايزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم “.[3]

فإن كنت في شك من أهمية هذا الأمر، وضرورة التشمير من أجل التخلص منه فتأمل سيرة رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، وكيف كانوا شديدي الحرص نحو أي أثر من آثار هذا الداء، وإغلاق الأبواب أمامه، مع استصغارهم الدائم لأنفسهم، وتواضعهم لربهم.

أخرج ابن المبارك في الزهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أُتي له بطعام فقالت له عائشة: لو أكلت يا نبي الله وأنت متكئ كان أهون عليك. فأصغى بجبهته حتى كاد يمس الأرض بها. قال: ” بل آكل كما يأكل العبد، وأنا جالس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد”[4].

وهذا أبو عبيدة بن الجراح وقد أم قومًا يوماً، فلما انصرف قال: مازال الشيطان بي آنفًا حتى رأيت أن لي فضلًا علي من خلفي، لا أؤم أبدًا[5].

وكان عتبة بن غزوان يقول: فإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيراً[6].

… فإلى كل طالب علم، وكل داعية.

… إلى كل عالم وكل عابد.

… إلى كل مسلم ومسلمة.

إلى نفسي، وكل من أحب، كانت هذه الومضات التي تدق لنا جميعًا ناقوس الخطر.

.. إنها دعوة لتحطيم الأصنام داخلنا، ولأن يكون كل منا عند نفسه صغيراً..

.. فلنكن جميعًا نِعْمَ المجيبين، ولنتعامل معها على أننا بها المخاطبون، وليرى الله من أنفسنا صدقًا في طلب التخلص والاحتراز من هذا الداء – داء الإعجاب بالنفس – عساه – سبحانه – أن يعيننا عليه ويلهمنا الرشد في التعامل معه والتحصن ضده؛ حتى نخرج من الدنيا عبيدًا مخلصين له، لا نرى فضلًا إلا فضله ولا خيرًا إلا خيره: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [ النور: 21 ].

[1] حسن، أخرجه الطيالسي عن ابن عمر، وأورده الألباني في صحيح الجامع ح ( 3045 ).

[2] أخرجه مسلم (1/93 ، رقم 91)

[3] رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وضعفه الشيخ الألباني في الجامع برقم 6344. ويذهب بنفسه أي: يرتفع ويتكبر

[4] أخرجه ابن سعد (1/371) ، والبيهقي في شعب الإيمان (5/107 ، رقم 5975)، وعبد الرزاق عن معمر فى الجامع (10/417 ، رقم 19554)، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة برقم 441 .

[5] الزهد لابن المبارك برقم (834) صـ287 .

[6] الزهد لابن المبارك / 189 .