التربية الإيمانية

حلمه بعد علمه

نعلم جميعًا أن الله عز وجل حي قيوم لا يغفل ولا ينام, أحاط بالناس جميعًا لا تختلط عليه اللغات، ولا يتوارى عليه شيء ولو كان في قعر الجبال أو قاع البحار…

قريب منا جميعًا، يرى مكاننا، ويسمع كلامنا، ويعلم ما توسوس به أنفسنا ]وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[ [ق: 16].

لا يحدث شيء في أي مكان من الأرض إلا ويعرفه سبحانه، ويحيط به علمًا (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [يونس: 61].

لا يغيب عنه – سبحانه – سقوط ورقة يابسة من شجرة وارفة في ليلة مظلمة داخل غابة من الغابات الكثيفة (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [الأنعام: 59].

ومع هذا العلم وهذه الإحاطة فإنه سبحانه قادر مقتدر، لا يعجزه شيء أن يفعله إذا اراد أن يفعله (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [النحل: 40].

كان معنا

يقينًا- أخي – أن الله عز وجل لم يغب عنا ولو للحظة من لحظات حياتنا (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) [يونس: 61].

معنى ذلك أنه كان معي ومعك حين عصيناه.

كان معك حين أطلت النظر إلى غير محارمك من النساء.

كان معك وقت أن سمعت مؤذن الفجر ينادي للصلاة، فلم تجب النداء بل تكاسلت وتجاهلت، وأخلدت إلى النوم.

كان معك وأنت تجتهد في إقناع الآخرين بشيء تعلم في قرارة نفسك أنه غير حقيقي، وأنك تكذب عليهم.

كان معي ومعك وقت كل معصية عصيناها، وكل تقصير قصرناه، وكان يقدر – سبحانه – على أن يأخذ الواحد منا على الحال التي كان عليها.

كان يقدر أن يأخذه وهو يكذب.. وهو يطلق بصره.. وهو يحسد غيره.. يأخذه في لحظات شهادة الزور أو لحظات تطاوله على والديه أو ….

كان من السهل واليسير عليه سبحانه أن يأخذنا في هذه الأوضاع المشينة (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ) [يس: 67].

ولكنه لم يفعل، بل تركنا نعصاه، ونقصر في حقه أكثر وأكثر.

ولكن لماذا لم يفعل ذلك وهو القادر المقتدر؟!

الإجابة واضحة؛ لأنه يحب عباده ويريد لهم أن يُنهوا حياتهم نهاية سعيدة لذلك فهو يحلم ويصبر عليهم لعل لحظة تأتي عليهم يفيقون فيها من غفلتهم، ويتوبون إليه فيتوب عليهم (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) [الرعد: 6].

تأمل معي قوله تعالى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) [النحل: 45- 47].

لكنه لم يفعل، لأنه كما جاء في ختام الآية الأخيرة (فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [النحل: 47].

نعم أخي القارئ، فربنا رب حليم، صبور، لا يؤاخذ عباده بأفعالهم السيئة ولو فعل لما تنعم متنعم بيومه أو ليله ولتذوَّق الجميع العذاب الأليم (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) [الكهف: 58].

جاء في الأثر: ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سربال سترها، إلا نادى الجليل جل جلاله: مَن أعظم مني جودًا والخلائق لي عاصون وأنا لهم مراقب، أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء.

من ذا الذي دعاني فلم أُلبَّه، أم من ذا الذي سألني فلم أعطه، من ذا الذي أناخ ببابي فنحيته[1].

وجاء في الأثر: حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت حسن رخيم ، فيقول أربعة منهم : سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك . ويقول أربعة : سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك[2].

وكان ابن السماك يقول في مناجاته:

تباركت يا عظيم .. لو كانت المعاصي التي عصيتها طاعة أطعت فيها ما زاد على النعماء التي تبتليها.

وإنك لتزيد في الإحسان إلينا كأن الذي أتيناه من الإساءة إحسان.

فلا أنت بكثرة الإساءة منا تدع الإحسان، ولا نحن بكثرة الإحسان منك إلينا عن الإساءة نقلع.

أبيت إلا إحسانًا وأبينا إلا إساءة واجتراء.

فمن ذا الذي يحصي نعمك ويقوم بإحسانك وبأداء شكرك إلا بتوفيقك ونعمك؟![2]


[1) شرح حديث لبيك اللهم لبيك لابن رجب ص 138.

[2] قال الألباني إسناده قوي.

[3) حسن الظن بالله لابن أبى الدنيا ص 63.