مع المتدبرين

في رحاب سورة الفرقان

الكاتب: د. فريد الأنصاري

إن شئت أن تجعل لهذه السورة موضوعا رئيسا، وشخصية خاصة، تميزها عن سائر السور؛ فلك أن تقول: إنها سورة التعريف بالقرآن، بما هو رسالة ذات قضية فرقانية! تعمل آياتها أول ما تعمل داخل تلك النفس التي تلقتها ابتداءً، فإذا بكلماتها تتحول – عند التلقي – إلى مقاصل ومقارض للتهذيب والتشذيب، تُنَفِّذُ عملياتها الجراحية في عمق النفس الإنسانية تزكيةً وتربيةً؛ حتى تُخرج للناس – بعد ذلك – عبدا فرقانيا، يكون نموذجا حيا لرسالة القرآن!

ومن هنا كانت آياتها من أوقع كلمات القرآن على النفس! وكانت رسالاتها من أشد المسالك ابتلاءً للعباد! ومن ثم كانت زبدة مخيضها أن تَخَرَّجَ من محنتها: (عباد الرحمن) بما ذُكِرُوا به من مقامات ربانية، ومنازل رحمانية، لا يدركها إلا من شق مسالكها عقبةً عقبةً!

فيا نفسي المريضة! هذه يد الرحمة الفرقانية تمتد إليك بمشرطة الشفاء، فهل تصبرين؟ فاكشف عن صدرك يا صاح! ولنستسلم معا – أنا وأنت – على مشرحة الفرقان؛ لله رب العالمين؛ عسى أن نكون موضوعا لكلمات القرآن، وعلاجات القرآن!

{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً(1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً(2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً} [1-3]

إن تلقي حقائق الإيمان من القرآن، لا يكون أبداً بمطالعة هذا البيان أو ذاك التفسير، وإنما يكون بمكابدتنا المباشرة للآيات. أما التفسير والبيان فإنما غايته أن يرسم معالم الطريق للسائرين، وأما السير ذاته فإنه لا ينوب فيه أحد عن أحد..! فيا قلبي العليل شمر عن ساقيك لخوض غبار الطريق وانطلق!

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً(4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5) قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} [4-6]

هذا مقام العروج إلى ملكوت السماوات والأرض! هذا مقام التَلَقِّي لوارداتِ النور، بصائرَ تفتح القلبَ على أسرار القرآن العظيم.. ومنهاجاً يرسم طريق العودة للأوابين والتوابين!

من هنا تبدأ الفتوح! فَرَتِّلِ الآياتِ بقلبكَ ترتيلاً! وتدارس المعاني بفكرك كلمةً كلمةً، ثم رُصَّهَا على أساسِِ قلبكَ لَبِنَةً لبنةً! ثم ارفع رأسك إلى الأفق الأعلى تَرَ حبلَ الله يمتد إليك! فإن هذا القرآن هُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إلى الأرْضِ!

فاصبر يا صاح على تتبع مدارج الكلمات معنىً معنىً ولا تَعْجَلْ! حتى إذا أبصرتَ بَوَارِقَ النُّورِ فأَبْشِرْ بالفتح المبين!

أما هذه الآيات فهي تترجم في البدء مقالةَ الكفار في كل زمان! وهذه وسيلتهم الخبيثة أبداً: محاولة إبطال المصدر السماوي لهذا القرآن! وربطه بالنسبية البشرية الأرضية؛ حتى يتسنى لهم الطعن في حقيقته وشريعته، ورد دعوته على صاحبه! قديما قالها كفار قريش وكثير من أهل الكتاب.

واليوم يقولها كثير من أصحاب “القراءات الجديدة”، والتأويلات الباطلة، التي تسعى إلى نفي ربانية هذا الكتاب، وإسكات نداءاته القوية الصادعة، وخنقها في قارورة التاريخ الذي كان! فقالوا جميعا: ما هذا القرآن إلا كذبا وبهتانا، اختلقه محمد واخترعه، وأعانه على ذلك قوم آخرون، من بعض رقيق أهل الكتاب، ممن كان تحت سيادة العرب آنئذ.

هكذا يدعون دعوى باطلة بغير علم ولا برهان؛ فيرتكبون بذلك ظلماً فظيعاً وزورًا شنيعاً! حيث ردوا كلمات الله رب العالمين! خالقهم وخالق كل شيء! وتمردوا بتكذيبهم محمداً – صلى الله عليه وسلم – على سلطان الله العظيم، وعلى حقه الواقع على العباد أجمعين!

ثم إن هذا القرآن ليس مما يمكن لبشر أن يختلقه ولا أن يخترعه. فهو حق مطلق! شاهد بذاته على ذاته! غني عن الدفاع بقوة خطابه! حجةٌ على خصومه، يتحدى البشرية بربانيته إلى قيام الساعة!

وقالوا أيضا: هو أساطير الأولين، استنسخها محمد، وقد كانت تُملى عليه من لدن بعض أهل الكتاب صباح مساء. وهي بالذات دعوى المتكبرين على الله من أهل هذا الزمان! يدورون بذلك في فَلَكٍ واحد من الحيرة والضلال! ويتحصنون بتصنيع المصطلحات والألفاظ في محاولاتهم العديدة لإحباط الحق! إفك، افتراء، أساطير! ولمفهوم الأسطورة اليوم دعوى نافقة في سوق الثقافة المتمردة على الدين!

ومن هنا جاء الرد من السماء قويا بَيِّناً يتحدى، على أقوى ما يكون التحدي والبيان! جاء قاطع الدلالة، بما تحمل الكلمات من العظمة والرهبة، على أن المتكلم الآن – كما هو الشأن في كل القرآن – إنما هو الله رب العالمين!

فقال الله جَلَّ جَلالُه لرسوله: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفرقان: 6] .

هكذا يعبر مرة أخرى باسم الموصول: “الذي”، دون التصريح باسم الجلالة “الله”، تنبيها للمتلقي إلى التركيز على ما تتضمنه صلة الموصول من معان وصفات، وهو عِلْمُهُ تعالى بأسرار السماوات والأرض! فصاحب ذلك العلم المحيط بأسرار الكون كله هو المتكلم الآن، وهو منـزل هذا الفرقان! وهو سبحانه فوق سماواته، محيط بكل مخلوقاته عِلْماً وتدبيرا. فإذا تكلم تعالى تكلم من عَل محيطا بكل شيء؛ ولذلك جاء هذا القرآن محمَّلاً بكل شيء من أسرار السموات والأرض، مما تحتاجه البشرية لتدبير حياتها وبناء عمرانها، في علاقتها بنفسها وبمحيطها، وفي سيرها إلى ربها والتعرف إلى خالقها.

وبهذا وأمثاله كان التحدي ولن يزال مستمرا إلى يوم القيامة!

فقوة هذا القرآن هي في ذاته! بما يحمل من إعجاز وأسرار، تسلك بالإنسان ما بين السماوات والأرض! وهذه كلمات الله بين يديك تتفجر بالأنوار فتدبر!

أوَليس التردد من العباد في قبول الحق من رب العباد يستحق الغضب الإلهي؟ فما بال العبد يتمرد على خالقه وسيده؟ ولكن هذا الرب العظيم كما هو عظيم بجبروته تعالى، عظيم أيضا برحمته التي وسعت كل شيء، فيمهل عباده، ويجعل لهم فسحة للتأمل والتدبر، عسى أن يُقبلوا عليه بعد ذلك تائبين مستغفرين! فقال جَلَّ ذِكْرُه وثناؤه: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} يعني: لمن تاب وآب إلى مولاه قبل فوات الأوان!

الهدى المنهاجي:

وهو يتفرع إلى أربع رسالات، هي كالتالي:

  • الرسالة الأولى:

في أن الكفار والمنافقين لن يزالوا أبداً – اليوم وغداً – يثيرون الشبه والفتن، أمام قوافل السائرين إلى الله والدعاة إليه. فوجب الثبات على الحق والعض على هذا القرآن بالنواجذ، والتمسيك بآياته بقوة، وعدم التأثر بما يقولون من الترهات والأباطيل التي يلقون بها في وجه المؤمنين؛ لعرقلة السير وقطع الطريق إلى الله، والتشويش على دعوته جل علاه.

  • الرسالة الثانية:

في أن هذا القرآن رسالة الله المنـزلة من السماء إلى الأرض؛ لتعريف الإنسان بربه، وبوظيفته التي خُلق من أجلها، ثم لتنظيم حياته في علاقته بنفسه ومحيطه، ولرسم طريق العودة إلى الله. فمن أخذ به وصل، ومن أعرض عنه ضل! وكفى بذلك حقيقة كونية عظمى!

  • الرسالة الثالثة:

في أن عمق القرآن يمتد من عالم الغيب إلى عالم الشهادة! ولذلك فأسراره لا تنتهي أبداً! ومن هنا فهو يتضمن الهدى الذي تحتاجه البشرية في مجموعها، والهدى الذي تحتاجه كل نفس في نفسها! فهو المسلك الجامع لكل المسالك، والمشرب الذي يرفد كل المشارب من موارد الخير والصلاح، على امتداد الزمان. فلا تستهن بعطاءات القرآن فتكون من المغبونين! {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ! إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27].

  • الرسالة الرابعة:

في أن المتكلم بهذا القرآن إنما هو الله رب العالمين! فلا يغب عنك هذا عند تلقي رسالاته؛ فَتُحْجَبَ عن أنواره وأسراره! ثم لا تكون من الداخلين في جمال رحمته، المشمولين بلطفه وغفرانه! فاقرأ القرآن وتَلَقَّ الهدى والنور عن الله مباشرةً تكن من المبصرين!


التخلق بما تتضمنه الآيات:

أول الخطو في طريق تلقي هذه الرسالات هو تهيئ القلب تهييئا، وإعداده إعدادا؛ لاستقبال آيات القرآن! تماما كما نهيئ البدن والروح معا بفعل الوضوء؛ للدخول في الصلاة! ولا يكون ذلك إلا بالأخذ بكل مجامع النفس، وكبح كل صوارفها، قصد اعتلاء مقام التلقي عن الله – خلال الصلاة وخارجها – ثم فتح باب الروح لشلال النور، كلما أشرق وارده على القلب من السماء!

ولا تنس – يا صاحبي – استغلال أحسن الأوقات لذلك مما وردت به الآيات والأخبار، سيرا إلى الله عبر مدار الفَلَكِ السيَّار، ما بين العشي والإبكار وخلوات الأسحار.

فإذا قدحت بلسانك مصباح القرآن، فافتح بصيرة روحك؛ لمشاهدة جمال أسماء الله الحسنى عند تلاوته، ثم مشاهدة تجليات صفته تعالى بما هو منـزل القرآن!

وإياك والغفلة – عند التلاوة – عن أم الحقائق! وهي أن المتكلم بهذا القرآن إنما هو الله جل جلاله! فتأدب عند الوقوف أو الجلوس بين يديه تعالى بأدب العبودية! حتى لا تكون من المحجوبين!

ثم بعد ذلك تشرع في محاولة استكناه أسرار الآياتِ كلمةً كلمةً، والتحقق من موقع كل حقيقة إيمانية تتلقاها: ما حظها من نفسك؟ وما موقعها من سلوكك اليومي؟ وهناك تبدأ باكتشاف الثغرات والثلمات، لتضميدها وعلاجها. ثم كرر التلاوة عند كل ثغرة وأمام كل علة!

انظر! ها هي ذي الجروح تلتئم، وها هي ذي الأمراض تتهيأ للشفاء! فسبح بحمد ربك واستغفره، وكن من الشاكرين! ثم قم! هذه أنوارٌ من أسرار القرآن صارت لك الآن خُلُقاً، فَأَدِّ للهِ حَقَّ الدعوة إليه واشتغل بالنذارة للعالمين!

فيا نفسي العليلة! إلى متى وأنت تُغَلِّقِينَ الأبوابَ دونَ دواءِ القرآن؟ إلى متى وإلى متى؟ وهذه آياته تتنـزل من الرحمن شفاءً لا يغادر سقماً!