تزكية النفس

كي لا يتضخم الصنم

كي لا يتضخم الصنم علينا – كما ذكرنا في الحلقة السابقة أن نغلق الأبواب أمام النفس، خاصة في المواطن التي نكون فيها أكثر عرضة للتضخم، ومن هذه المواطن:

عند كثرة الخلطة والمجالس الفارغة:

من الأمور التي تجد النفس من خلالها الفرصة مواتية لدفع صاحبها إلى أن يزكيها، ويمجدها: كثرة الخلطة بالناس، والوجود في المجالس الفارغة، التي يتجاذب فيها الحاضرون أطراف الحديث، فيجد الشخص نفسه وقد استدرج للحديث عن نفسه وعن أعماله وحياته الخاصة، وشيئًا فشيئًا تسقط الحواجز الداخلية لديه فلا يجد غضاضة في إفشاء عمله الذي ظل يخبؤه سنوات طوالًا..

فما العمل؟ ونحن نعيش بين الناس؟!

الحل الأمثل لغلق هذا الباب هو أن تكون خلطتنا مع الناس في الخير والتعاون على البر، أما غير ذلك فلتكن في بيوتنا كما قال أبو الدرداء: نعم صومعة الرجل بيته، يكف سمعه وبصره ودينه وعرضه، وإياكم والجلوس في الأسواق فإنها تلهي، وتلغي[1].

قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [النساء: 14 ].

( لو لم يكن في العزلة إلا السلامة من آفة الرياء، والتصنع للناس، وما يدفع إليه الإنسان إذا كان فيهم من استعمال المداهنة معهم، وخداع المواربة في رضاهم، لكان في ذلك ما يرغب في العزلة ويحرك إليها… )[2].

..نعم، إن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم كما قال صلى الله عليه وسلم[3]، ولكن هذه الخلطة ينبغي أن تكون في مشاهد الخير – كما ذكر النووي-: مثل حضور جمعهم، وجماعتهم، ومجالس الذكر معهم، وعيادة مريضهم وحضور جنائزهم ومواساة محتاجهم، وإرشاد جاهلهم، وغير ذلك من مصالحهم، وهذا ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم علماء المسلمين وأخيارهم..[4].

عند تولي مسئولية:

المسئولية والإمارة باب فتنة عظيمة للنفس، ووسيلة لخلع جلباب الذل والانكسار والعبودية لله عز وجل، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من طلبها، ففى الحديث: ” يا عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها…”[5].

إن وجود المرء في موقع المسئولية والصدارة من شأنه أن ينسيه حقيقة نفسه من ضعف وعجز، وأن ينخدع في السلطة التي تحت يديه مما يتسبب في استعاظمه لنفسه واستعلائه على الآخرين.

فما العمل لإغلاق هذا الباب؟!

ليدفع كل منا عن نفسه الإمارة، وليتهرب منها غاية الإمكان، فإذا ما كلف بمسئولية ما، ولم يجد له مناصًا من قبولها فعليه لزوم الخوف والحذر من تبعاتها، وعليه كذلك المداومة على استشارة من حوله، وعدم الانفراد برأيه، وأن يكثر من استخدام العلاج المضاد والذي سيأتي بيانه بعون الله، وعليه كذلك أن يبالغ في القيام بصور التواضع السابق ذكرها.

عند الاشتهار بين الناس

من أخطر الأبواب أمام النفس: الاشتهار بين الناس، والوقوع تحت الأضواء فمن خلال ذلك، يجد الشخص نفسه وقد التف الناس حوله، وكثر من يمدحه، ويثني عليه، مما يجعله مهيأ لتصديق كلامهم بأنه مميز، وأنه، وأنه، فتكبر عنده نفسه، ويزداد إعجابه بها.

.. إنها فتنة عظيمة، يصعب على المرء التخلص منها إلا إذا استعان بالله استعانة صادقة كص يحفظه منها، وألا ينسيه أصله وعجزه وجهله، وأن يقيه شر نفسه.

وعلى كل من ابتلي بالاشتهار بين الناس كذلك أن يكثر من تكلف أفعال المتواضعين ويبالغ في ذلك، دون أن يشعر به أحد، فيكثر من الجلوس مع المساكين والتودد إليهم ومآكلتهم والسعي في خدمتهم، وكذلك القيام على خدمة نفسه، ولا يسمح لأحد بخدمته قدر المستطاع.

  • وعليه كذلك أن يصلي على التراب كلما سنحت له الفرصة، وأن يعود نفسه الاستماع إلى غيره، فمن فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع كما قال بعض السلف[6].
  • وعليه كذلك أن يكثر من استخدام العلاج المضاد، والذي سيأتي بيانه، وعليه أن يدفع بنفسه كل فترة للقيام بأعمال الناس، كما فعل عبد الله بن سلام – رضي الله عنه – عندما حمل حزمة حطب فقيل له: يا أبا يوسف قد كان في غلمانك وبنيك من يكفيك! قال: أجل، ولكن أردت أن أجرب نفسي هل تنكر ذلك؟[7].

عند إسداء خدمة للآخرين:

من الأبواب التي تجد النفس عند فتحها فرصة عظيمة للاستطالة على غيرها، والشعور بالعلو والتميز عنهم: النجاح في تقديم خدمات للآخرين، فعندما يحدث ذلك، تبدأ النفس في الإلحاح على صاحبها بالمن على هؤلاء، وتذكيرهم بما فعله معهم من بذل وتضحية، مع العمل الدائم على استنطاقهم ومعرفة رأيهم فيما تم معهم، بل وجرهم للثناء عليه وشكره.

يحتاج هذا الباب إلى مجاهدة عظيمة من المرء لغلقه إذا ما فتح أمامه، ومن أهم الوسائل لذلك:

1 – تذكير النفس بخطورة المن بالعطايا على الآخرين – سواء كانت مادية أو معنوية – وأنها تحبط العمل.

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾ [البقرة: 264].

قال الضحاك في هذه الآية: من أنفق نفقة ثم مَنّ بها، أو آذى الذي أعطاه النفقة حبط أجره، فضرب مثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فلم يدع من التراب شيئًا، فكذلك يمحق الله أجر الذي يعطي صدقته ثم يمن بها كما يمحق المطر ذلك التراب[8].

والمَن لا يحبط العمل فقط، ولكنه كذلك يستوجب غضب الله عز وجل على فاعله: قال صلى الله عليه وسلم: ” ثلاثه لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى…”[9].

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لا يدخل الجنة منان. فشق ذلك عليّ حتى وجدت في كتاب الله في المنان ﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾[10].

2 – الاجتهاد في عدم مقابلة من أسديت إليه الخدمة أو الاتصال به فترة من الزمن تنسي فيها النفس ما حدث وتنشغل بأمور أخرى.

3 – علينا أن نقلل من حجم العمل الذي قمنا به مع الآخرين، ونشعرهم أننا لم نتكلف الشيء الكبير بفعلنا هذا إذا ما حاولوا شكرنا عليه.

4 – ومن وسائل غلق هذا الباب: العمل على خدمة الآخرين دون أن يشعروا بك، أو يعرفوا هويتك.

كان علي بن الحسين يبخل، فلما مات، وجدوه يقوت مائة أهل بيت بالمدينة.. وكان الناس في المدينة يعيشون لا يدرون من أين يأتي معاشهم، فلما مات على بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به الليل[11].

العلاج المضاد:

تأتي على الواحد منا لحظات يضعف فيها أمام نفسه، وأمام إلحاحها عليه لحمدها، واستعظامها، والإعجاب بها، وتزكيتها أمام الآخرين.

.. نعم، إن العمل الدائم على غلق الأبواب أمام النفس من شأنه أن يقلل فرص وجود هذه اللحظات، ولكن ماذا نفعل إذا جاءت؟!

لقد كانت مثل هذه اللحظات تأتي للصالحين ممن سبقونا، ولقد كانوا يستخدمون علاجات سريعة من شأنها أن تعيد للمرء توازنه مع نفسه مرة أخرى، ومن ذلك.

1 – نقد النفس أمام الآخرين:

نادى عمر بن الخطاب يومًا: الصلاة جامعة… وصعد المنبر وقال: أيها الناس، لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم فيقبضن لي القبضة من التمر والزبيب، فأظل في يوم وأي يوم .. ثم نزل؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: والله يا أمير المؤمنين مازدت على أن قمئت نفسك. فقال عمر: ويحك يا ابن عوف، إنى خلوت فحدثتني نفسي فقالت: أنت أمير المؤمنين فمن ذا أفضل منك؟! فأردت أن أعرفها نفسها[12].

2 – القيام بأفعال تقلل من شأنها:

قال عروة: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى عاقته قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا، فقا: لما أتتني الوفود بالسمع والطاعة دخلت في نفسي نخوة، فأحببت أن أكسرها، ومضى بالقربة إلى حُجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها[13].

ولقد تشاجر أبو ذر وبلال رضي الله عنهما، فَعَيَّر أبو ذر بلالًا بالسواد فشكاه إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: ” يا أبا ذر إنه بقي في قلبك من كبر الجاهلية شيء ” فألقى أبو ذر نفسه، وحلف ألا يرفع رأسه حتى يطأ بلالً خده بقدمه، فلم يرفع حتى فعل بلال[14].

3 – طلب النصيحة والنقد من الآخرين:

فالاستماع إلى النصيحة والنقد من الآخرين له دور كبير في عودة النفس إلى ما كانت عليه، وإزالة شموخها وانتفاخها.

فعلينا أن نطلب ممن حولنا أن يقدموا لنا النصيحة كما كان يفعل عمر بن الخطاب بقوله: رحم الله امرأ أهدى إليّ عيوبي.

ومن صور النصيحة: تقديمها في صورة رسالة مكتوبة ليتسنى لنا قراءتها كل فترة ولتكن بمثابة الدواء السريع عند الشعور بالانتشاء واستعظام النفس.

ولنحذر من مقاطعة الناصح أو محاولة الدفاع عن أنفسنا أمامه، وإلا فقد هذا الدواء مفعوله.

( كان الوزير نظام الملك يكثر من إدخال أحد الفقهاء عليه، فسئل في ذلك، فقال: هذا الفقيه يدخل عليّ فلا يطريني، ولا يغرني، بل يذكرني بذنوبي وتقصيري فيخرج من عندي، وقد غسلت نفسي من الكبر، ثم هو لا يقبل مني عطاء ولو اجتهدت في إقناعه. أما غيره فأشعر حين يخرجون من عندي أن نفسي تغتر ويعتريها غفلات )[15].

4 – أين مرآتك:

ومن صور هذا العلاج كذلك: أن يتخذ الواحد منا لنفسه صديقًا يتعاهد معه على دوام نصحه، مثلما فعل عمر بن عبد العزيز عندما طلب ذلك من مولاه مزاحم بقوله: إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها، أو فعلًا لا تحبه، فعظني عنده، وانهني عنه..

وطلب – رحمة الله – نفس الطلب من عمرو بن مهاجر وقال له: يا عمرو إذا رأيتني قد مِلت عن الحق فضع يدك في تلابيبي، ثم هزني، ثم قل لي: ماذا تصنع؟

بل الأعجب من ذلك أنه لما استخلف رحمة الله قال لمن حوله: انظروا رجلين من أفضل من تجدون، فجئ برجلين فكان إذا جلس مجلس الإمارة أمر، فألقى لهما وسادة قبالته، فقال لهما: إنه مجلس شر وفتنة، فلا يكن لكما عمل إلا النظر إلي، فإذا رأيتما مني شيئًا لا يوافق الحق، فخوفاني وذكراني بالله عز وجل[16].

ويؤكد الماوردي على هذا المعنى فيقول: وينبغي للعاقل أن يسترشد إخوان الصدق الذين هم أصفياء القلوب، ومرايا المحاسن والعيوب على ما ينبهونه عليه من مساويه، التي صرفه حسن الظن عنها، فإنهم أمكن نظرًا، وأسلم فكرًا، ويجعلون ما ينبهونه به عليه من مساويه عوضًا عن تصديق المدح فيه[17].

ومن هنا ندرك قوله صلى الله عليه وسلم: ” المؤمن مرآة المؤمن “[18].

فليتخذ كل منا لنفسه مرآة يرى فيها عيوبه، ويعود بها إلى حجمه الحقيقي.

5 – ترك العمل الذي يفسد صاحبه:

فكما قال الحسن: لايزال الرجل بخير ما علم بالذي يفسد عليه عمله.

صلى حذيفة بقوم فلما سلم من صلاته قال: لتلتمسن إمامًا غيري أو لتصلن وحدانًا، فإنى رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني.

وهذا أبو عبيدة بن الجراح يؤم يومًا، فلما انصرف قال: مازال الشيطان بى آنفًا حتى رأيت أن لي فضلًا على من خلفي، لا أؤم أبدًا[19].

وكان عمر بن عبد العزيز إذا خطب على المنبر فخاف على نفسه العُجب، قطع خطبته، وإذا كتب كتابًا أعجب به مزقه، ويقول: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي.

وقال بعضهم: إذا كنت تتحدث فأعجبك الحديث فاصمت، وإذا كنت صامتًا فأعجبك صمتك فتحدث[20].

6 – التصدق بالشيء الذي تم الإعجاب به أو مما تحبه النفس:

كما فعلت السيدة عائشة رضي الله عنها في الدرع الذي لبسته وأعجبت به كما مر علينا. ومما يؤكد هذا المعنى أنه صلى الله عليه وسلم قد احتذى نعلًا فأعجبه حسنها فسجد وقال:” تواضعت لربي عز وجل كي لا يمقتنى ” ثم خرج بها فدفعها إلى أول سائل لقيه، ثم أمر عليًا رضي الله عنه أن يشتري له نعلين سبتيتين جرداوين فلبسهما”[21].

7 – علينا بتجهيز أجوبه تدفع عنا خطورة المدح وإعجاب النفس:

كقوله صلى الله عليه وسلم للذى أصابته رعدة عند رؤيته: ” هون عليك، فإني لست بملك إنما ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد”.

يعلق الماوردي على هذا الموقف فيقول: وإنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم حسمًا لمواد الكبر، وقطعًا لذرائع الإعجاب، وكسرًا لإسراف النفس، وتذليلًا لسطوة الاستعلاء[23].

وعندما تفاخرت قريش عند سلمان الفارسي رضى الله عنه يومًا، قال سلمان: لكنني خلقت من نطفة قذرة، ثم جيفة منتنة، ثم آتي الميزان، فإن ثقل فأنا كريم، وإن خف فأنا لئيم.

وعندما سئل عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بطينًا، ملوثًا في الخطايا، أتمنى على الله الأماني[24].

وكتب رحمة الله كتابًا إلى بعض نوابه في الأمصار وقال في آخره: إني لأعظك بهذا، وإنى لكثير الإسراف على نفسي غير محكم لكثير من أمري[25].

البديل:

فإن قلت: لو أغلقنا على النفس مثل هذه الأبواب، وأعطيناها الدواء المضاد فكيف سيكون طعم الحياة.. وأين البديل للسعادة؟

… نعم لو تم التعامل فقط مع هذه الوسيلة دون ما سبق من وسائل سابقة، وبخاصة وسيلة معرفة الله، فقد نعاني من هذا الأمر، وقد نجد ضيقًا في صدورنا مما قد يجعلنا نستسلم لأنفسنا، ونضعف أمامها، ونسقيها شراب النشوة والطرب.

فالحل إذن وجود البديل:

وهل هناك أحلى أو ألذ أو أطعم من حلاوة الإيمان، والقرب من الله والأنس به سبحانه وتعالى؟! كما قال أحد السلف: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا، وقال آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم، لجالدونا عليه بالسيوف[26].

فلذة مناجاة الله وذكره وتلاوة كتابة لا تعدلها لذة، ولو اجتمعت عليها كل لذات الأرض، فلنحرص على التمتع بتلك اللذة من خلال التعرف على الله – عز وجل – المنعم، الكريم، الودود، الرحيم، القيوم، ولنردد مع من قال:

لها أحاديث من ذكراك تشغلها

عن الطعام وتلهيها عن الزاد

لها بوجهك نور يستضاء به

ومن حديثك في أعقابها حاد

الفرح المحمود:

تبقى نقطة أخرى في هذا الموضوع، وهي خاصة بمسألة الشعور بالفرح والسرور الذي ينتاب الفرد في بعض الأوقات عند ورود نعمة، أو عند التوفيق للقيام بعمل صالح.. هل هذا الفرح مذموم أو لا؟!

الفرح المذموم هو فرح المرء بنفسه وافتخاره بها أنها صارت كذا وكذا، أو قامت بفعل كذا وكذا، وهذا الذي تلبس به قارون: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [ القصص: 76].

أما الفرح المحمود فهو فرح العبد بربه أن أكرمه بهذه النعمة واختصه بها، وأن وفقه للقيام بهذه الطاعة وجعله سببًا لدعوة الناس وإقبالهم على دينه… وهذا ما يؤكده قوله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [ يونس: 58].

فلا يستطيع أحد أن يمنع نفسه من الفرح عند تلقى أخبار سارة، أو ورود نعمة جديدة، أو القيام بعمل من الأعمال والنجاح فيه، لكن علينا أن ننسب كل فضل لله، وأن يكون فرحنا به سبحانه وتعالى، مثل قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ [ الروم: 4، 5 ]. ونترجم هذا الفرح بمناجاة الله وحمده على فضله وتوفيقه، وأنه لولاه ما تم شيء من هذا أبدًا.

ومما يلحق بهذه النقطة قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: ” تلك عاجل بشرى المؤمن ” عندما سأله: يا رسول الله، أرأيت الرجل يعمل العمل لله يحمده الناس عليه؟!

فالضابط لفرح أحدنا بحمد الناس له أن يكون منشأ فرحه: الفرح بالله وبفضله وتوفيقه للقيام بهذا العمل، والذي يساعده على ذلك المسارعة إلى شكر الله – عز وجل – ومناجاته، وأن ينسب الفضل كله إليه.

يقول ابن القيم: والذي يساعد العبد على تصفية سروره من شوائب الطغيان أن يبالغ في الشكر ويكثر منه، وكذلك التواضع والتذلل لله عز وجل.

[1] العزلة للخطابي ص 70، 71 دار ابن كثير – دمشق.

[2] العزلة للخطابي: 101، 102.

[3] صحيح رواه الإمام أحمد (5/365، رقم 23147) والترمذي (4/662، رقم 2507)، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (7/127، رقم 9730)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (939).

[4] رياض الصالحين للنووى ص 293 – مؤسسة الرسالة.

[5] متفق عليه: البخاري (6/2443، رقم 6248) ومسلم (3/1273، رقم 1652).

[6] الزهد لابن المبارك: 16.

[7] إحياء علوم الدين: 3/569.

[8] الدر المنثور للسيوطي: 1/600.

[9] أخرجه الحاكم (16/334 برقم 7340 ) وصححه عن ابن عمر، والبيهقي( 8/288 برقم 17805) قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (3071).

[10] الدر المنثور: 1/600.

[11] صفة الصفوة لابن الجوزي:2/62.

[12] صلاح الأمة في علو الهمة 5/434.

[13] المصدر السابق 5/435.

[14] صلاح الأمة في علو الهمة 437.

[15] أبطال ومواقف لأحمد فرج عقيلان – ص 430 – دار ابن حزم – بيروت.

[16] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي ص225، 226.

[17] أدب الدنيا والدين ص235.

[18] صحيح، أخرجه الطيالسي والضياء عن أنس، وأورده الألباني في صحيح الجامع ح ( 6655 ).

[19] الزهد لابن المبارك ( 193 ) في زيادات نعيم بن حماد ص 53.

[20] الزهد لابن المبارك ص 67.

[21] أخرجه عبد الله بن حقيق في “شرف الفقراء” من حديث عائشة بإسناد ضعيف.

[23] أدب الدنيا والدين ص233.

[24] سيرة ومناقب عمر بن العزيز.

[25] لطائف المعارف لابن رجب ص 22.

[26] الوابل الصيب لابن القيم ص97.