حفظ القرآن

مدارسة وحفظ سورة الشمس.. الحلقة الأولى

مقدمة:

من أبرز جوانب الهداية في هذه السورة المباركة:

1- من هو الله سبحانه؟

2- من هو الإنسان، وما هي النفس البشرية؟

3- العبرة من قصص السابقين.

4- القوانين والسنن الإلهية الحاكمة والمنظمة لشئون العباد.

.. كذلك نلاحظ جانبًا آخر من جوانب الهداية يُلقي بظلاله على آيات السورة كلها وهو: ما هو القرآن الكريم؟

حيث يتجلى واضحًا في السورة أساليب القرآن المؤثرة والمحركة للمشاعر والمثيرة للانتباه، من خيث:

1- القَسَم.

2- الجرس المنتظم في الآيات.

3- الألفاظ القوية المؤثرة.

4- إثارة الانتباه باستخدام القصة.

والسورة تتناول أمر غاية في الأهمية هو أمر تزكية النفس، وتظهر أهميته بوضوح في إتيانه جوابًا للقَسَم الإلهي، وكما أسلفنا أن العظيم – سبحانه – لا يقسم إلا على أمر عظيم..

وإذا تحدثنا عن القَسم فسوف نجد أن سورة الشمس – على وجه الخصوص – قد جاء فيها أكبر عدد من القسم (به)، حيث أقسم – سبحانه – بثمانية من مخلوقاته، ثم يأتي القسم (عليه) وهو {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10].. مما يُبرز أهمية ذلك الموضوع والانتباه له جيدًا.. ولا عجب في ذلك؛ فالنفس هي ذلك الأسير المتمرد العنيد الذي يترقب الفرصة كي يهرب من أسره، ويفتك بآسره.

ثم تأتي قصة ثمود في نهاية السورة وكأنها تؤكد أن النتيجة الطبيعية لإهمال النفس وعدم تزكيتها ستكون طغيانها وتمردها وشقوتها، وبالتالي يكون الهلاك هو النتيجة الطبيعية لصاحبها.. وأحيانًا لقومه جميعًا كما حدث مع قوم ثمود، فقد كان المفسدون عددًا محدودًا قياسًا بالقوم كلهم، يقول تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [النمل: 48]..

فإلى السورة الكريمة…

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 1 – 8]

من هو الله سبحانه؟

1- يُقسِم بما شاء من مخلوقاته، بينما لا يحل لنا أن نُقسِم إلا به سبحانه.

2- هو سبحانه الخالق المبدع كما يتجلى في تلك الآيات.. هو خالق الشمس؛ تلك الآية العظيمة التي تكفي بمفردها للدلالة على عظمة الخالق البارئ الذي أحسن كل شيء خلقه، وإنها لَمعجزة هذه الشمس!! كيف أُودِع فيها تلك الحرارة الهائلة؟ وكيف جُعِلت على هذا البُعد الذي قدَّره سبحانه وتعالى أحسن تقدير، بحيث أنها لو اقتربت قليلًا لاحترقنا، ولو ابتعدت قليلًا لتجمدنا.. والأسرار الإلهية في خلق الشمس أكثر من أن تُحصى، وما زال الباحثون حتى وقتنا هذا يكتشفون عنها الجديد والجديد {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } [النمل: 88].

وكذلك القمر آية أخرى ليتفكر فيها العباد، ويُدركوا عظمة الخالق ويعرفوا عدد السنين والحساب …

وكذلك الليل والنهار آيتان عظيمتان {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} [الفرقان: 62].. الليل للسكن والراحة، والنهار للسعي والعمل، ولولا تعاقبهما لما استمرت الحياة، ولاضطرب نظامها، بل ولأصبحت مستحيلة {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 73].. فاللهم لك الحمد والشكر .

وأما عن السماوات والأرض فالحديث يطول، كيف يرتفع ذلك السقف العظيم الهائل بلا أعمدة؟ كيف له أن يظل هكذا مستويًا بهيجًا؟ كيف يكون بهذا الإتقان والروعة رغم كبر مساحته واتساعه، فلا شقوق ولا ثقوب ولا خلل؟!!

{فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ؟!} [الملك: 3]، أيها الإنسان المسكين، ربك يتحداك بهذه الآية، انظر وتأمل في السماء.. هل ترى فيها من قصور أو عيوب؟!

إن بيوت البشر تنهار فوق رؤوس أهلها من أقل هزة أرضية، وأحيانًا تنهار دونما سبب، فكيف بذلك السقف المرفوع منذ بداية الخلق، والذي يشهد بعظمة الخالق وقدرته وبديع صنعه وإتقانه؟!

وتلك الأرض الممهدة المنبسطة، التي جعلها الله فراشًا، ولولا ذلك لما استطاع أحد أن يعيش على ظهرها، ولاحتار الناس وتحرَّجوا في ذهابهم وإيابهم، بل ولكرهوا حياتهم بالكلية، ولذلك يقول سبحانه {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57].

والله سبحانه هو خالق الإنسان والنفس الإنسانية، ثم هو قد بين لهذا الإنسان طريق الخير وطريق الشر، وركب حب الخير في فطرته لكي يساعده على النجاح في مهمته في الحياة، وفي الوقت نفسه أعطاه حرية الاختيار، لأنه سبحانه قد خلقه ليعبده بإرادته ولم يجعله مجبورًا على الطاعة، مثل الملائكة وباقي المخلوقات، لذلك فالإنسان في امتحان مستمر بسبب تلك الإرادة التي يمتلك هو وحده توجيهها وتسييسها، فليس كل البشر يتقنون ” تعبيد ” إرادتهم لتوافق ما يريده الله سبحانه..


{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10]

جواب القسم، وكما أخبرنا بأن الله سبحانه قد أقسم بثمانية من مخلوقاته بدأ من الشمس وانتهاء بالنفس.. لذا لزم الالتزام بجواب القسم.

فالله سبحانه يقسم أن من ينجح في تزكية نفسه فهو في فلاح وسعادة، أما من أهمل تزكية نفسه فهو في خيبة وخسران وندامة.. لماذا؟

ما أمر تلك النفس؟.. لماذا تحتل تلك الأهمية في القرآن بشكل عام؟

يقول العلماء عن النفس: هي مجموعة الشهوات والرغائب داخل الإنسان، وهي تسعى دائمًا للحصول على حظوظها من أفعال العبد، وهي جاهلة لا تنظر لعواقب الأمور كالطفل:

والنفس كالطفل إن أهملته شب *** على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

وهي أمارة بالسوء، شحيحة، تحب الاستئثار بكل خير ..

وإذا تأملنا حديث القرآن عن النفس سنتعرف عليها أكثر وأكثر ..

{إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53]..

{وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128]..

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ..} [المائدة: 30]..

{وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه: 96]..

فالحذر الحذر من ذلك العدو المتربص الشرس.. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من شرها ويبدأ خُطَبه بدعاء: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا..».. رغم أن نفسه الشريفة أطيب النفوس وأنقاها..

وحين سأله أحد أصحابه أن يعلمه دعاء يدعو به قال: «اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي»[1].

«فاللهم ألهمنا رشدنا.. وقنا شر أنفسنا»

من هو الإنسان؟

يستطيع – لو عزم على ذلك – أن يزكي نفسه ويتعاهدها بأنواع المجاهدات حتى تستقيم وتعتدل .

أما إذا أهملها وتركها دون تربية فسينتهي أمره، ويخيب أمله في الحياة لأنها ستقضي عليه .

يقول الإمام الغزالي: العبد إن لم يشتغل أولًا بتزكية نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات بقي خبيث الجوهر، فإذا خاض في العلم صادف العلم من قلبه مكانًا خبيثًا فلم يطب ثمره، ولم يظهر في الخير أثره…

السنن والقوانين الإلهية:

هي مقدمات تقود إلى نتائج، ودائمًا تكون القاعدة في سريان هذه السنن أن “البداية من العبد”.. كقوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7]، وقوله:{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة: 67]، وقوله: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]…

وفي هذه الآية من سورة الشمس يقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 10].. فالعبد إذن هو من يرسم لنفسه طريق الفلاح والنجاح أو طريق الخسران والخيبة.. والله يُعينه حسب توجهه، فمن أراد التزكية والتطهير لنفسه أعانه الله على ذلك، ومن تركها ونسي نفسه، نسيه الله سبحانه ووكله إليها، فيخيب ويخسر والعياذ بالله..

يتبع في الحلقة القادمة،،،

[1] أخرجه الترمذي، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع.