غير مصنف

مدارسة وحفظ سورة الشمس.. الحلقة الثانية

{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} [الشمس: 11 – 15]

من هو الإنسان؟

مكابر، معاند، مكذب، إلا من رحم ربي، قد يتكبر على من ينصحه، وإن أوتي شيئًا من أسباب القوة قد يطغى ويتجبر {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} [الشمس: 11].. وقد يتحول من شدة طغيانه إلى شقي أثيم لا أمل في إصلاحه أبدًا.. والشقوة الإنسانية درجات، فالناس منهم “الشقي”، و “الأشقى”، و “الأشقى منه”.. و “أشقى ثمود” كان ضاربًا في الشقوة حتى سولت له نفسه قتل ناقة الله دون خوف أو تردد، رغم أن قوم ثمود كلهم رأوا بأم أعينهم معجزة خلق هذه الناقة، لذا كانت نتيجة شقوته أن جرَّ الدمار والهلاك على قومه جميعًا.


{فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} [الشمس: 13]

من هو الرسول عليه الصلاة والسلام؟:

ناصح لقومه، مبلغ للرسالة، مُذكِّر لهم، أمين عليهم وشفيق بهم… ولكنه – مع كل هذا – لا يملك أن يهديهم، فالهادي هو الله – سبحانه – وكما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا مبلغ والله يهدي، وإنما أنا قاسم والله يعطي»[1].

ولو كانت الهداية بيد الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لاستطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهدي عمه، ويُدخله في الإسلام قبل موته…

وهنا نلمس مجهود نبي الله صالح عليه السلام في نصح قومه وخوفه عليهم، وتخويفهم من مصيرهم إن هم عقروا الناقة.. فهل أجدى ذلك معهم؟


{فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا..} [الشمس: 14]

من هو الإنسان؟

قد يوصله عناده واستكباره إلى أسوأ مآل، وهو من فرط ذلك العناد قد يُكذب من ينصحه حتى وإن تأكد من صدقه في النصيحة، فنحن نجد قوم ثمود قد قالوا من قبل لنبيهم: {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا } [هود: 62].. أي: كان لك شأن عظيم في نفوسنا، ونحن نعترف بذلك، أما وقد أمرتنا بعبادة الله وحده وترك آلهتنا فقد انتهى عهد احترامنا لك وتوقيرنا لمقامك…

وعلى الرغم من أن قوم ثمود هم الذين طلبوا أن يروا معجزة خلق الناقة بأعينهم، فأخرج الله أمامهم ناقة عظيمة من صخرة بالجبل، وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك أي مصلحة في قتلها، بل على العكس فقد كان وجوها مصلحة ومنفعة لهم حيث كانوا يشربون جميعًا من لبنها.. إلا أنهم غلبت عليهم شقوتهم، وظلموا أنفسهم، فنسوا توعد الله لهم بالعذاب..

فلنتأمل كيف توصل النفس – حين لا تتزكى – صاحبها إلى موارد دماره وهلاكه؟!!


{فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} [الشمس: 14، 15]

من هو الله سبحانه؟

المنتقم، القوي، القادر ، المقتدر، الذي يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.. فقد أباد قوم ثمود، وسوَّى بقريتهم الأرض، وهو سبحانه في ذلك لا يُسأل عما يفعل، ولا يخشى – حاشاه – عاقبة ما يفعل، فهو يفعل ما يشاء وقتما يشاء {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23].. وهو – سبحانه في الوقت نفسه لم يظلمهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم فحق عليهم العذاب..

والله – سبحانه – هو الحكم العدل، فلابد أن ينال الظالم عقابه حتى يرتدع كل الظالمين، ويتعظ كل من يفكر في الظلم.. وحتى يطمئن المظلومون والمستضعفون إلى عدالة أحكم الحاكمين، فيقِرُّوا بذلك عينًا، ويطيبوا نفسًا..

من السنن الإلهية:

{فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا… فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ} [الشمس: 14].. ثانيةً: قانون ” البداية من العبد” .. هم الذين بدأوا بالتكذيب والعناد وعقر الناقة فاستوجبوا العقوبة، وكما قيل: “لا ينبغي على من ارتكب الذنب أن يستغرب العقوبة”… {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49].

العبرة من قصص السابقين:

يقول تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111]، وفي قصة ثمود نتعلم ونتأكد أن الإنسان إذا لم يجتهد في تزكية نفسه وتربيتها فستفسد وتنحرف وتقوده إلى الهلاك والخيبة والخسران.. ويكون مآله في النهاية كمآل ثمود وعاد وغيرهم من المتكبرين والطغاة..

ولذلك قال موسى عليه السلام لفرعون : {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [النازعات: 18، 19].. فسبيل معرفة الله وطاعته يبدأ بتزكية النفس..

واجبات ودروس مستفادة:

1- التأمل في الكون وفي مخلوقات الله عبادة ذات أثر على الإنسان لأنها تزيده معرفة بربه سبحانه، وبالتالي تزيد من عبوديته له.. وكما قال ابن تيمية رحمه الله: “المعرفة بوابة العبودية”.

2- الاهتمام بتزكية النفس وتربيتها، والانتباه إلى خطرها، ووضعها دائمًا في قفص الاتهام .. يقول الآجري:

“النفس إذا أُطعِمت طعِمت، وإذا آيستها أيست، وإذا أقنعتها قنعت، وإذا أرخيت لها طغت، وإذا فوضت لها أساءت، وإذا حملتها على أمر الله صلحت..”.

وأفضل لجام تُساق به النفس: الخوف من الله {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41].

3- الانتباه إلى قانون: “البداية من العبد”.. فمن أراد أن يُغير الله ما به فليبدأ بتغيير نفسه، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن تصدق الله يصدقك»[2].

وليحذر كل لبيب من أن يفعل ما يستدعي العقوبة الإلهية – طبقا لهذا القانون أيضًا- فقد كانت إحدى أمهات المؤمنين تقول حين يصيبها الصداع: “ذنب أصبته، ويعفو عن كثير”…

وهذا القانون يعمل بإذن ربه، وكل ما على العبد أن يستخدمه لصالحه إن أراد السعادة والرشاد.

4- المحافظة على ترديد دعاء: “اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي”.. ” يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين”.

وصل اللهم على سيدنا محمد

والحمد لله رب العالمين

[1] أخرجه الطبراني وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

[2] أخرجه النسائي، والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 1415.