حفظ القرآن

مدارسة وحفظ سورة الليل- الحلقة الثانية

{فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} [الليل: 14]

قصة الوجود:

كما ذكرنا، أن آخر مشهد في قصة وجود الإنسان على هذه الأرض هو مشهد الآخرة، حيث الحساب والجزاء، حيث الناجحون والراسبون، وحيث الجنة والنار.

وهنا يصف الله النار بأنها ” تلظى ” أي تنقطع وتتلوى من شدة حرها ولهيبها.. عافانا الله منها.

من هو الله؟:

الله سبحانه يحب عباده، ويُشفق عليهم من أن يفعلوا ما يجعلهم ما يستحقون غضبه عليهم، فيحذرهم من النار التي أعدها الله للعصاة والمذنبين، وذلك ليتجنبوها، ويتجنبوا كل ما قد يوقعهم فيها أو يجعلهم من أهلها.. نسأل الله العافية..


{لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [الليل: 15، 16]

من هو الإنسان؟

قد يورد نفسه موارد الشقاء بشدة شقاقه وعصيانه لربه وخالقه.

وفي الآية استُخدمت كلمة “الأشقى” وهي أسلوب تفضيل؛ أي أشد الناس شقاء، ولو قال سبحانه: “لا يصلاها إلا الشقي”.. لكان أغلب الناس من أهل النار، فالكل لديه نسبة من الشقاء بمقدار عصيانه وتقصيره في جنب الله، فثمة رحمة باطنة في هذه الآية، وثمة رسالة أمان للقارئ بأن النار ستكون مقرًّا لأشقى الأشقياء.. نسأل الله أن يعافينا منها.


{وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل: 17، 18]

من هو الإنسان؟:

كما أنه قد يكون “شقيًّا” أو “أشقى” فإنه قد يكون “تقيًّا” أو “أتقى”…

والأتقى هو الشخص الشديد التقوى، أو الذي حقق أعلى درجاتها، وهنا تُعطيه الآية صَكَّ أمان من النار {َسَيُجَنَّبُهَا}.

لماذا؟.. لأنه أنفق من ماله وتصدَّق، فكأن في ذلك زكاة لماله (أي: زيادة ونماء)، وتزكية لنفسه (أي: تطهيرًا لها من الشح والبخل).

ونلاحظ في الآية أن الأفعال جاءت في زمن المضارع (يؤتي- يتزكى) مما يدل على استمرارية العطاء والإنفاق.

وكذلك نلاحظ أن الله سبحانه يقول: {يُؤْتِي مَالَهُ} رغم أن المال مال الله، وما المرء إلا مستخلف في هذا المال، ولكن هذا من “خطاب الله الودود في القرآن”.


{وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل: 19 – 21]

واجبات العبودية:

من حق الله على عباده أن ينفقوا مما رزقهم، شرط أن يكون هذا الإنفاق ابتغاء وجه الله سبحانه، وطمعًا في مرضاته، وليس طلبًا للسمعة والذكر الحسن بين الناس، فالله سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك.

من هو الله سبحانه؟:

هو الأعلى سبحانه، أعلى من كل شيء، وفوق كل شيء، وهو الرب المالك المتصرف، المدبر لأمور عباده جميعًا.

هو سبحانه الكريم، المعطي الجواد، بدليل قوله سبحانه: {وَلَسَوْفَ يَرْضَى}؛ أي أنه سبحانه وتعالى سوف يكرم هذا العبد الذي ينفق ماله ابتغاء وجهه الكريم وسوف يغدق عليه من فضله حتى يرضيه، فهذا العبد قد سعى لإرضاء ربه في الدنيا، فألزم الله سبحانه نفسه بأن يرضيه في الآخرة وأكد على ذلك.. ومن المؤكد أن الرضى في الآخرة لن يكون إلا بدخول الجنة والتنعم فيها، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!!

ولكن شتان ما بين العطاءين..

فالعبد حين يعطي فإنما يُعطي من مال الله الذي أتاه إياه، بالإضافة إلى أن الله صاحب فضل عليه حين حبب إليه الإنفاق ورغَّبه فيه {وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: 50]، {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} [الأنبياء: 73]..

ومع كل هذا يرد الله له إحسانه بالإحسان، ولكن لا وجه للمقارنة، فأين إحسان العبد من إحسان الرب سبحانه؟

كما أن العبد حين يحسن فإنما يُحسن لنفسه، لأن فضل إحسانه سيعود عليه {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء: 7].. أما الله سبحانه فإنه يعطي ويحسن بغير حساب، وهو في ذلك غني عن العالمين..

ومن طريف ما ذكر في هذا الأمر قصة رجلين تصدق أحدهما على الآخر فقال له: خذ.. لا لك (أي أن الصدقة تقع في يد الله وابتغاء مرضاته)، فرد عليه الآخر قائلًا: هات؛ لا منك (أي أنه مال الله وليس مالك).

دروس مستفادة وواجبات عملية

1- في السورة دعوة للتأمل والتفكر في مخلوقات الله سبحانه، فالتفكر عبادة حض عليها القرآن كثيرًا، فكثُر فيه: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ} [الغاشية: 17]، {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101]…

وكما قيل: تفكُّر ساعة خير من قيام ليلة.. لأن التفكر يقودنا إلى التعرف على الله سبحانه من خلال رؤية أسماءه وصفاته في صفحات الكون، وكلما اشتدت المعرفة بالله ازدادت العبودية له، وكما قال ابن تيمية: “المعرفة بوابة العبودية”.

2- السورة تؤكد وتحبب وتشدد على أهمية الإنفاق في سبيل الله، وأنه سبيل الفلاح والنجاة والتيسير والتوفيق والسعادة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان»[1].. أي برهان على صدق صاحبها في حبه لله حبًّا يزيد على حبه للمال وحبًّا لاكتنازه رغم أن هذا طبع فيه وفطرة..

واجب عملي:

يجب تعويد الأطفال على أن الإنفاق وسيلة مهمة لتيسير الأمور، فيتم تعويدهم على التصدق قبل الذهاب للاختبارات، أو قبل الخروج في رحلة، وذلك بنية التيسير، ويستحب كتابة تلك الآية {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل: 5 – 7] على صندوق الصدقة المنزلي.

وكذلك الأم تعود نفسها على صدقة قبل إعداد وليمة للضيوف مثلًا، أو قبل إنجاز أي عمل مهم (عزومة- إصلاح بين متخاصمين- إلقاء محاضرة مهمة…).

كذلك الصدقة عن المرضى.. قال صلى الله عليه وسلم: «داووا مرضاكم بالصدقة»[2].

3- يجب تحرِّي “النية” قبل الإنفاق، وأن يكون لوجه الله، لا رياء ولا سمعة، لأن الرياء يُحبط العمل، وصدقة السر أفضل بكثير من صدقة العلن، فالله سبحانه يُحب من عباده “الأتقياء الأخفياء”.

4- ينبغي للعبد حين ينفق في سبيل الله أن يستشعر فضل الله عليه في عدة أمور:

  • أن الله وسع عليه حتى أصبح من أصحاب “اليد العليا” الذين ينفقون في سبيل الله.
  • أن الله سبحانه حبب إليه الإنفاق، فكم من صاحب مال يضن بمال ويبخل به، ويقضي حياته كلها في حراسة ثروته، حتى تكون سبب شقائه.

ولذلك يقول يحيى بن معاذ: إلهي ما أكرمك! إن كانت الطاعات فأنت اليوم تبذلها، وغدًا تقبلها.. وإن كانت الذنوب فأنت اليوم تسترها وغدًا تغفرها.. فنحن من الطاعات بين عطيتك وقبولك، ومن الذنوب بين سترك ومغفرتك.

5- البخل والشح سبب لضيق الصدر والمعيشة الضنك وتعسير الأمور والاكتئاب والخسران المبين {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

نصائح:

  • ترديد دعاء “اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، فأنت إذا شئت جعلت الحزن سهلًا”[3] قبل الشروع في أي عمل.
  • يستحب أيضًا الإنفاق عند أي تقصير أو وقوع في ذنب (غيبة- سوء ظن- نظرة محرمة- تأخير للصلاة عن وقتها- السب أو الشتيمة-…).

وذلك لأن الذنب يدخل العبد في دائرة الغضب الإلهي، بينما الصدقة تطفئ غضب الرب كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم…

تمت بحمد الله

[1] أخرجه مسلم (3/100 برقم 226).

[2] حسن، صحيح الجامع (3358).

[3] سبق تخريجه.