تزكية النفس

تابع معرفة حقيقة الإنسان وطبيعة النفس 2

طبيعة النفس:

ومع كون الإنسان ضعيفًا وعاجزًا وجاهلًا وفقيرًا إلى الله عز وجل فقرًا مطلقًا وذاتيًا، فإن لنفسه طبيعة تتنافى مع هذه الصفات.

فهي نفس شحيحة تحب الاستئثار بكل خير ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128].

لديها قابلية للطغيان والفجور ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: 11].

تحب العلو والتميز عن الآخرين.

ترغب دومًا في الراحة، وتكره المشاق والتكاليف.

تريد شهوتها وحظها من كل فعل يقوم به العبد – وإن كان فيه حتفها – فهي لا تنظر إلى العواقب.

يقول المحاسبي: إن النفس لو تُركت لما فعلت أي طاعة، وما تركت أي معصية..

.. لماذا؟!

لأن محبتها في خلاف ذلك. فالعبد لايكاد يأتي برًا إلا وشهوة نفسه في ضده[1].

.. ألم يستعذ من شرها رسولنا صلى الله عليه وسلم .. بقوله: ” ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا “.

وقال صلى الله عليه وسلم لحصين بن المنذر: ” قل اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي “.

مقت النفس:

فالنفس – كما يقول الآجري – أهل أن تمقت في الله.

لأنها تدعوني لسلوك سبيل الضلال.

وتصرفني عما يرضي الله، وتوقعني فيما يبغضه[2].

” فالحمد لله وحدة والذم لها، والحذر والخوف منها، وترك الطمأنينة إليها لمعرفتك بها، فمن عرف نفسه زال عنه العُجب، وعظم شكر الرب عز وجل، واشتد حذره منها، والثقة والطمأنينة إلى المولى عز وجل، والمقت لها، والحب للمتفضل المنعم.

.. وتذكر: لو كان لك صاحبان حولك وأنت نائم، فأراد أحدهما أن يقتلك ومنعه الآخر فماذا ستكون مشاعرك نحوهما؟!

فكم من بلية قد أرادتها بك نفسك فعزم الله عز وجل أن تتركها وأيقظك وأزال عنك غفلتك فعصمك منها.

وكم من حق الله هممت بتضييعه، فأبى الله عز وجل إلا أن يوقفك لخلاف ما هممت به.

فقد وجب عليك المقت لنفسك، والحذر منها، وترك إضافة العمل إليها، بل تحمده وحده بكل ما نلت من بر وطاعة” [3].

كيف كان الصالحون ينظرون إلى أنفسهم؟

يقول ابن القيم: ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنوا العبد به من الله سبحانه وتعالى في لحظة واحدة أضعاف ما يدنو به من العمل[4].

كان أبو بكر الصديق يقول: لو يعلم الناس ما أنا فيه لأهالوا عليَّ التراب.

ومشى قوم خلف عبد الله بن مسعود فقال لهم: ارجعوا فإنها ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع، وقال: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب.

وهذا المَرُّوذي تلميذ الإمام أحمد بن حنبل يقول: ذكر أمام ابن حنبل أخلاق الورعين فقال: أسأل الله عز وجل أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء؟!

وكان رجل من بني إسرائيل له عند الله حاجة، فتعبد واجتهد ثم طلب إلى الله حاجته، فلم ير نجاحًا، فبات مزريًا على نفسه، وقال: يا نفس، مالك لا تقضي حاجتك، فبات محزونًا قد أزرى على نفسه.. وقال: أما والله ما مِن قِبل الله أوتيت، ولكن من قبل نفسي أوتيت، فبات ليلة مزريًا على نفسه وألزم الملامة، فقضيت حاجته[5].

هل يمكن للنفس أن تأمر بخير؟!

يجيب عن هذا السؤال المحاسبي فيقول:

إن كون النفس أصحبت تؤدي بعض الطاعات بسهولة ويسر ليس معناه أنها تحب ذلك، بل إن قوة عزمك التي وهبك إياهًا المولى، والخوف من الآخرة قهرها، ولو وجدت منك فترة لرجعت إلى أحوالها، ولرفضت الطاعة لله عز وجل.

ويضرب المحاسبي مثالًا لذلك بالأسير الذي كان يحاول الفتك بك، فقهرته، وأسرته وصار طوع أمرك, هل تأمن له بعد ذلك؟! وهل سيطيعك راضيًا مختارًا أم أنه ينتظر منك التفاته لينقض عليك[6]؟!.

النفس هي النفس:

يؤكد الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي على المعنى الذي ذكره المحاسبي في أن النفس لا يمكنها أن تأمر صاحبها بخير إلا إذا كان لها مصلحة في ذلك فيقول:

النفس هي مجموعة الرغائب الشهوانية الغريزية التي تجمح بالإنسان، وتدفعه إلى الاستجابة العملية لها.

والسلوك هو النتيجة العلمية لصراع الإنسان مع مشاعره ودوافعه النفسية، فهو نتيجة تطبيقية للصراع الذي يظل دائرًا بين الفطرة الإيمانية والغريزية الحيوانية في كيان الإنسان.

فمهما صعد السلم أو هبط في التزاماته السلوكية، فلسوف تظل نفسه التي بين جنبيه نزاعة إلى المشتهيات التي ذكرها الله في كتابه ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [ آل عمران: 14].

وغيرها كالكبر والعُجب، والانطواء على الضغائن والإخفاء.

ولا يصح أن يقول أحدهم: ولكني بقيت دهرًا طويلًا أجاهد نفسي وأمعن في تربيتها وترويضها، حتى استطعت أن أسمو بها عما كانت عليه من التعلق بهذه المشتهيات، والطبائع الذميمة، فهي اليوم لا ترغب إلا فيما يرضي الله، ولا تنفر إلا مما يرضي الله.

هل صرت ملكًا:

يجب أن يقال لصاحب هذه الدعوى: إن صح ما تقول فبشريتك قد غاصت بل غابت عنك، وتحولت إلى ملك من الملائكة الذين يجوبون في ملكوت الله عز وجل. وهذا ما يخالف الوصف الذي وصف الله به الإنسان.. أيًا كان.

ألم تقرأ قول الله عز وجل: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ [النساء: 128].

ألا ترى كيف أن الحكم جاء بهذه الصفة القبيحة على عموم الأنفس دون استثناء ولا تخصيص، وعندما أثنى على من تساموا بسلوكهم على هذه الصفة لم ينسب ذلك إلى نفوسهم، بل نسبة إلى وقاية الله لهم، مع بقاء أنفسهم على ما هي عليه، فقال: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].

مفهوم التكليف:

ويستطرد البوطي في رده على من يظن أن نفسه قد صارت تأمره بفعل الخير فيقول: إن صح ما تقول، فأنت لم تعد مكلفًا من قبل الله بشيء، لأنك لن تشعر بأي كلفة فيما يأمرك به، إذ أصبحت نفسك سباقة بكامل رغبتها وسرورها إلى هذا الذي يأمرك الله به.. ولابد أن يصبح أمره عندئذ عبثًا، وثوابك عليه باطلًا.. ولكن أمر الله عز وجل نافذ وسيظل نافذًا في حق عباده أجمعين، وثوابه جار ومهيأ لجميع المحسنين، ولا يكون ذلك إلا لأنهم مكلفون، ولايكونون مكلفين إلا عندما تكون التكاليف الإلهية مخالفة لرغبات نفوسهم، متشاكسة مع تطلعاتها وأهوائها.

وإن جميع الربانيين من عباد الله الصالحين، وأوليائه المقربين، ظلوا في جهاد دائب مع أنفسهم حتى أتاهم اليقين الذي نقلهم إلى رحاب مولاهم الجليل.

وإنما كان مصدر الأجر الذي وعدهم الله به وادخره لهم: مخالفتهم الدائبة لأهواء نفوسهم، وتطلعاتهم الشهوانية.

إذن فالنفس البشرية تظل نزاعة إلى شهواتها وأهوائها مادامت باقية.

ما أقبح الرضا عن النفس:

ويقول البوطي: فإذا كان الإنسان راضيًا عن نفسه، فليس يعنى رضاه عنها إلا انقياده لما تحبه وتدعو إليه، ولابد أن تورده عندئذ المهالك، وأول هذه المهالك إعجابه بنفسه الأمارة بالسوء، وادعاؤه أنها مزكاة من النقائص، متسامية على الرذائل والقبائح من الطباع، وهو نقيض ما قد أمر الله، أو نهي عنه، إذ قال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [ النجم: 32 ] وقال سبحانه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾ [ النساء: 49 ].

والاستفهام في الآية استنكاري، أي: ألا ترى إلى قباحة شأنهم إذ يمدحون أنفسهم، ويعبرون عن إعجابهم بها ورضاهم عنها؟![7].

إذن فنسظل في جهاد مع أنفسنا حتى الموت، وكما قال أحد الصالحين: يموت المؤمن وسيفه يقطر دما.

كيف نتعامل مع أنفسنا؟

من هنا يتضح لنا – كما يقول الماوردي -: أنه لابد من تأديب النفس، فإن أغفل تأديبها تفويضًا إلى العقل، أو توكلًا على أن تنقاد إلى الأحسن بالطبع: أعدمه التفويض درك المجتهدين، وأعقبه التوكل ندم الخائبين[8].

وأولى مقدمات أدب الرياضة:

أن لا يسبق إلى حسن الظن بنفسه، فيخفى عليه مذموم شيمه، ومساوئ أخلاقه، لأن النفس بالشهوات آمرة، وعن الرشد زاجرة[9].

فإن كان الأمر كذلك فلابد إذن من القيام بمثل هذه الأعمال:

1 – سوء الظن الدائم بالنفس ودوام الحذر منها.

2 – إلجامها بلجام الخوف لتسهل قيادتها.

3 – مقاومة إلحاحها للإعجاب بها.

4 – محاسبتها.

5 – دوام التوبة.

يتم التفصيل في هذه النقاط في الحلقة القادمة بمشيئة الله

[1] الرعاية لحقوق الله ص435.

[2] أدب النفوس للآجري ص 16 – مكتبة لينا – دمنهور – مصر.

[3] الرعاية لحقوق الله للمحاسبى ص 435، 436.

[4] إغاثة اللهفان 1/ 143.

[5] الزهد للإمام أحمد / 144.

[6] الرعاية لحقوق الله للمحاسبى ص 435، 436.

[7] شرح الحكم العطائية لمحمد سعيد رمضان البوطي 2/69 – 73 بتصرف.

[8] أدب الدنيا والدين ص 226.

[9] المصدر السابق ص 229.