حفظ القرآن

مدارسة وحفظ سورة البلد.. الحلقة الأولى

في هذه السورة المباركة يتجلى – بوضوح – أحد جوانب الهداية العشرة؛ ألا وهو: من هو الإنسان؟ .. وللتنويه: فإن هذا الجانب يُذكر كثيرًا في القرآن؛ وذلك حتى يتعرف قارؤه على نفسه من خلال وِرده، وذلك باستمرار حتى لا ينسى حقيقته.. والغريب أن ثلثا السورة تقريبًا يتناول طباع الإنسان، وطريقة تفكيره، وبعض أخص صفاته.. وكذلك غفلته المستمرة من رقابة الله وقدرته عليه، ومعرفته بحاله وسره وجهره.. { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}؟ [الملك: 14].

ثم توضح الآيات – للإنسان أيضًا – سبيل التغلب على العقبات التي تعترضه في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى، وماهية هذه العقبات..

الآيات أيضًا تكشف مدى غفلة الإنسان عن الصفات التي جبله الله عليها من الفقر والضعف الذاتي والعجز والاحتياج الدائم إلى مولاه سبحانه.

كذلك تتحدث السورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومكانته وقدره عند ربه سبحانه.

وأيضًا كما ذكرنا أنه ما من سورة من سور القرآن – وإن قَصُرت – إلا وتتحدث عن أهم الجوانب «من هو الله؟» ولم لا، والقرآن كتاب تعريف بالله سبحانه، ثم تُعرِّج السورة بعد ذلك على «قصة الوجود»، حيث المشهد الأخير فيها..

وحيث يتم التفريق بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال..

فإلى السورة الكريمة…


بسم الله الرحمن الرحيم

{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} [البلد: 1 – 3]

ما هو القرآن؟

أساليب القرآن المتعددة لها دور كبير في إثارة انتباه القارئ وتوجيه مشاعره.. وهذا سر من أسرار القرآن الكريم.. وهنا أسلوب القسم- كما تم ذكره سلفًا – يثير الانتباه، لأن العظيم – سبحانه – لا يقسم إلا على أمر عظيم.. وما على القارئ إلا أن يبحث عن جوانب القسم ليدرك مراد الله سبحانه من القسم.

من هو الله سبحانه؟

الله سبحانه يفعل ما يشاء، يُقسم بما شاء من مخلوقاته بينما لا يحق لنا أن نقسم إلا به سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم «من كان حالفًا فليحلف بالله»[1].. وهنا يُقسم سبحانه بالبلد الحرام (مكة المكرمة).. وفي ذلك تشريف لها..


{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 2]

من هو الرسول صلى الله عليه وسلم؟

قدره عظيم عند ربه سبحانه، حيث يربط قسمه بمكة المكرمة بإقامته وحلوله فيها صلى الله عليه وسلم.. أي أنه إذا كان الله أقسم بمكة تشريفًا لها، فهي تزداد تشريفًا حين وجوده صلى الله عليه وسلم فيها..


{وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ} [البلد: 3]

من هو الإنسان؟

هو مخلوق كرمه الله سبحانه {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70]، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته الأطهار.. ومن تكريمه: أن يقسم الله به {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ}.. وذلك رفعًا لمنزلته على باقي المخلوقات وتشريفًا له …


{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]

من هو الإنسان؟

هذا هو جواب القسم، يقسم الله سبحانه أنه قد خلق الإنسان في عناد مستمر، ومكابدة للدنيا المليئة بالأكدار والمصائب والمصاعب والهموم، وصدق من قال عنها: «الدنيا إذا حلت أوحلت».

وقال عنها الشاعر:

دار إذا ما أضحكت يومًا أبكت غدًا تعسًا لها من دار


{أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ }

{ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا}

{أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ}

من هو الإنسان؟

في هذه الآيات الثلاث ملامح كثيرة لشخصية الإنسان، فهو:

يظن – غافلًا عن حقيقة ضعفه – أنه لن يقدر عليه أحد، وذلك بمجرد أنه يمتلك مالًا أو جاهًا أو أي شيء من مقومات الحياة المادية..
يعتقد –جاهلًا- أن المال الذي بين يديه ملك خاص له، بينما الحقيقة أن المال والصحة والبنون والعقارات كلها أمانات سوف تُسترد، وأن الإنسان مجرد مستخلف فيها ومؤتمن عليها..
يقول الشيخ البوطي: «الإنسان كتلة من الفاقة والضعف في جوهره وذاته، وكل ما يمده الله به من أسباب القوة والعافية والغنى والعلم والأمن والعزة لا يغير من كينونته الذاتية شيئًا.. إذ كلها شأنها شأن العوارض؛ تأتي وتذهب لا استقرار لها.

وما المال والأهلون إلا ودائع ولابد يومًا أن ترد الودائع

إن هذا المسكين -وقد غفل عن حقيقة فقره- يتباهى بإنفاقه للمال، وأسرفت من مالي على فلان وفلان.. وكأن المال ماله!!
هو في غمرة كل ذلك يُنسي رقابة الله عليه، وأنه سبحانه سوف يحاسبه على كل صغيرة وكبيرة، وعلى كل حركة وسكنة..
وسيحاسبه فيم أنفق ماله الذي أعطاه الله إياه..

ملاحظة: قد يرد في بعض التفاسير أن المقصود بقوله {أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } الوليد بن المغيرة.. ولكن الأفضل أن نأخذ المعنى الذي أرادت الآيات إيصاله لنا لتعرفنا على الإنسان، سواء كان الوليد أوغيره..

[1] متفق عليه.