حفظ القرآن

مدارسة وحفظ سورة البلد.. الحلقة الثانية

{أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 8 – 10]

من هو الله؟

هو خالق الإنسان من العدم، وهو الذي خلق له العينين واللسان والشفتين .. وكل هذه الجوارح تعمل بإذن الله وأوامره.. كل خلية في جسم الإنسان تستمد أسباب حياتها وعملها من الله لحظة بلحظة، ولو توقفت قيوميته سبحانه عن أي خلية لتوقفت عن العمل تمامًا فهو الذي يأذن للعضلات أن تنقبض وتنبسط، وللقلب أن ينبض، وللسان أن يتكلم، بل إنه هو الذي يأذن لعضلات الوجه أن تتحرك حين التبسم {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم: 43].. فيا لضعف هذا الإنسان..

وكذلك فإن الله سبحانه علم الإنسان وهداه إلى التمييز بين الخير والشر، بل وركز في فطرته حب الخير والميل إليه والارتياح له..

ومع ذلك..

{فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} [البلد: 11]

من هو الإنسان؟

رغم تكريم الله سبحانه له، وتمييزه له بالعقل المدرك والفطرة المسبتصرة، وتسخير الكون كله له.. رغم كل ذلك لم يتغلب هذا الإنسان على العقبة التي تعترض من طريق سيره إلى الله خالقه ومولاه وولي نعمته.. فما هي تلك العقبة؟!

{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَة} [البلد: 12]

ما هو القرآن؟

يا له من كتاب عظيم معجز، تنزيل من حكيم حميد.. فاستخدام أسلوب الاستفهام هنا للتشويق وجذب الانتباه.. وهو أسلوب يتكرر كثيرًا في القرآن.. ولعل ما يبرز أهميته في هذا الموضع مثلًا، أن نتخيل لو أن صيغة الآية هي:

«فلا اقتحم العقبة، وتلك العقبة هي فك رقبة أو …»..

لو تخيلنا أسلوب الخبر بدلا من أسلوب الاستفهام لشعرنا بالفرق..

{فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 13 – 16]

ما هو القرآن؟

يطرح السؤال، ثم يجيب ويشرح ويفصل ويفند.. إن العقبة هي تمرد النفس على الإنفاق، وصعوبة ترويضها على ذلك بسبب ما جبلت عليه من الشح.. فإذا ما تجاوز الإنسان تلك العقبة انفك قلبه من أغلال الشح والبخل وانطلق إلى ربه سليمًا نقيًّا معافى لا يكترث بأي عقبات.. ولذلك يوضح القرآن سبل اقتحام العقبة.. فهو كتاب هداية وإرشاد ورسالة من الله إلى عباده يوضح لهم فيها ما يريده منهم وما لا يريده..

كيف يتم اقتحام العقبة؟ بعتق الرقاب- إطعام المساكين- الإحسان إلى اليتامى- الإحسان إلى ذي القربى..

والإطعام له درجات؛ أولها وأعلاها إطعام الأيتام، ذوي القربى، ثم إطعام المساكين المعدمين الذين بلغ بهم الفقر حد الالتصاق بالتراب..

حقوق العباد بعضهم على بعض:

1- التكافل والتراحم والتواصل، وإطعام الطعام، واختصاص ذوي القربة بالإكرام والاهتمام حتى يحظى صاحبها بثوابين: الصدقة والصلة، فيعظم الأجر ويعلو قدر العمل..

2- العطف على اليتامى والمساكين المعدمين والإغداق عليهم، فالمال مال الله.. ولو أدرك البخلاء والأشحاء بأنهم لا يطمعون ولا يتصدقون من جيوبهم، بل من مال الله الذي آتاهم والذي يختبرهم به لأسرعوا إلى العطاء والإنفاق ..{ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17]

من هو الإنسان؟

عنده قابلية للصلاح والاستقامة، بل والصبر على الاستقامة والصلاح، لذلك فإن الصالحين من بني البشر منزلتهم أعلى من الملائكة لأن الملائكة جبلت على الطاعة، أما الإنسان فيتنازعه داعيان، داعي الإيمان وداعي الهوى..

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7].

لذلك فإن العبد إذا فعل طاعة – وإن قلت – فإن الله يباهي بعمله الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون..

وهنا تلفت الآية النظر إلى أمر بالغ الأهمية؛ إنه أمر «الإيمان والعمل الصالح».

فكم تلازمًا في القرآن ولكن دائمًا يأتي السبق «للإيمان»، فدائمًا يقول القرآن: {آمَنُوا وَعَمِلُوا} .. إن هذه القاعدة تؤكد أن أي عمل لابد أن يسبقه إيمان أو ما يسمى «نية»، بمعنى إنشاء الإيمان قبل العمل، فالإيمان بالنسبة للعمل الصالح كالبذرة والماء الذي يسقيها..

الإنسان المؤمن الصالح لا يكتفي فقط بالأعمال الصالحة والسعي في طريق الخير ولكنه يصبر على أي أذى يصيبه في سبيل ذلك ويُصبِّر غيره على ذلك..

إنه يصبر على اتباع الحق، ويصبر على الطاعات، ويصبر عن المعاصي، ويصبر على شر الأقدار..

وكذلك هو يرحم الناس ويتواصى بالتراحم، وينشر الرحمة من حوله..

{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ} [البلد: 18 – 20]

قصة الوجود:

إنه يوم التكريم، يوم يوفَّى الصابرون والعاملون والمنفقون أجرهم بغير حساب، إنهم من نجحوا في اختبار الدنيا {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}.

وهناك الفريق الراسب، الذين كذبوا بالآيات المقروءة والمنظورة وأعرضوا عنها ، هم أصحاب الشمال يعاقبون على كفرهم ورسوبهم في امتحان الدنيا بالنار – أعاذنا الله منها – وهي ستكمل القصة معهم، قصة وجودهم بالنهاية المؤلمة، أن توصد عليهم لتنتهي آخر مشاهدهم نهاية حزينة مؤلمة.. نسأل الله العافية.

واجبات ودروس مستفادة:

1- الله سبحانه هو الرقيب، يرانا ويعلم ما تخفيه صدورنا، فلنراقبه في كل أحوالنا.

2- الإنفاق.. الإنفاق.. الإنفاق.. وتعويد النفس على العطاء والبذل باستمرار حتى يتم شفاؤها تمامًا من الشح الذي جُبلت عليه {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

3- الصبر والتصبر على الاستقامة، لأن طريق الجنة شاق مليء بالمصاعب ولابد له من الصبر والتحمل..

4- المؤمن يألف ويؤلف.. فهو مبارك في وسط أهله، ومبارك وسط مجتمعه، ويعطف على الفقير، ويمسح دمعة المسكين، ويعين المحتاجين.. {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 31].

5- لابد أن يعلم الإنسان حجم ضعفه وعجزه وأن لا يحاول التهرب من الاعتراف بذلك فهو دومًا يحتاج إلى ربه ويحتاج إلى معيته وكفايته وولايته.. يقول ابن عطاء: «تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه؛ تحقق بذلك يمدك بعزه، تحقق بفقرك يمدك بغناه، تحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته»..

ويقول الشيخ البوطي حفظه الله: «فاعلم أنه لو جُمعت لك ثروات الدنيا كلها فأنت فقير، واعلم أنك حتى لو أوتيت قوة أقوى العتاة فأنت ضعيف، واعلم أنك حتى لو أوتيت علوم الأولين والآخرين، فأنت جاهل، واعلم أنك لو تربعت على عرش العزة فأنت ذليل..

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات