التربية الإيمانية

كيف يربي القرآن القلب (التربية الإيمانية) 1- 4

نعم إن الاقتناع العقلي هو المنطلق الأساسي للسلوك، ومع هذا يبقي هذا الاقتناع بحاجة إلى رضا قلبي لتنطلق به الجوارح بالأفعال المؤيدة لما في العقل من أفكار، فالعقل مهما كان وضعه إلا أنه في النهاية ما هو إلا جندي من جنود القلب، فالقلب هو الملك، وما من عمل تقوم به الجوارح إلا ويمر من خلال القلب ويأخذ موافقته ورضاه عليه،  كما قال تعالى : ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 113].

فالسلوك يبدأ – كما توضح الآية – بإصغاء من القلب لصوت العقل ثم رضا بذلك لتكون النتيجة اقتراف الفعل..

وهذا ما يؤكده كذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَ﴾ [التحريم: 4]، أي: أنصتت قلوبكما لصوت العقل وارتضته فكانت التوبة.

فالاقتناع العقلي هو نقطة البداية التي لابد أن يتبعها إصغاء من القلب ثم رضًا منه بمقتضياته.. ولكن قد يقتنع العقل بقضية من القضايا لكن القلب لا يستطيع أن يتخذ القرار بتنفيذ مقتضى هذا الاقتناع.. أتدرون لماذا ؟!

لغلبة سلطان النفس وهواها وسيطرتها عليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 50].

فما هو الهوى وما مدى علاقته بالقلب ؟

القلب بين الإيمان والهوى:

من تعريفات القلب أنه مجموعة المشاعر والعواطف داخل الإنسان من حب وكُرْه، وفرح وخوف ورجاء، والقلب كما نعلم هو الملك على سائر الأعضاء كما في الحديث: «.. ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» [1]…  هذا القلب يتجاذبه طرفان: إيمان وهوى.

أما الإيمان فهو تصديق القلب لحقائق العقل، أو بمعنى آخر: اتجاه المشاعر لما قرره العقل من حقائق، فالإيمان محله القلب كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14].

والإيمان مشاعر كما في الحديث: «ثلاث مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان ن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» [2].

وأما الهوى: فهو اتجاه المشاعر لما تميل إليه النفس من شهوات حسية كانت أو معنوية.

وعلى قدر قوة أحد الطرفين – الإيمان أو الهوى – تكون له الغلبة على إرادة القلب، ومن ثَمَّ يكون من نصيبه الأمر الصادر من القلب إلي للجوارح.

ففي الحديث: «لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن» [3].

فلحظات الزنى أو السرقة أو القتل عكست انتصار الهوى على الإيمان، وقوة سيطرته على المشاعر.

الإيمان أولًا:

إذن فعندما نرى سلوكًا معوجًا من شخص ما: كمن بدأ يتهاون في أداء الصلاة، أو من يطلق بصره إلى المحرمات، فإن هذا يعكس قوة سلطان الهوى على مشاعره، ومن ثَمَّ فإن الطريقة الصحيحة لتقويمه ليست بإنكار أفعاله فقط، فهو يعلم جيدًا خطأ ما يفعل، وإنما تكون بالعمل على زيادة الإيمان في قلبه ليصبح هو الدافع للأعمال. وهذا ما نلحظه في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].

وفي الدعاء: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك» [4].

مرض القلب وصحته:

معنى مرض القلب: أي عدم صحته، أو بعبارة أخري: اتجاه مشاعره نحو الهوى حتى يسيطر عليه، وبقدر هذه السيطرة يكون المرض، وعندما تتجه المشاعر كلها للهوى يتمكن المرض من القلب وتنتفي عنه الصحة، ويصبح داعي الهوى هو الآمر الناهي المطاع، كما صور ذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43].

وصور اتباع الهوى كثيرة، وتشمل كل ما تميل إليه النفس، ويجمعها قاعدة واحدة تنطلق منها وهي: حب الدنيا.

فمن تلك الصور: اتباع الشهوات، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59].

ومنها: طلب العلو في الأرض: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].

ومنها كذلك: الخوف على الرزق والحياة. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: 57].

وفي المقابل فإن عودة القلب إلي صحته تعني: تخلص مشاعره من سيطرة الهوى واتجاهها إلي الله عز وجل.

قال صلي الله عليه وسلم: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» [5].

القلب الحي :

عندما تتحرر المشاعركلها من سلطان الهوى وتتجه إلي الله عندئذ يصبح القلب حيًا أبيضًا، يشع النور من جنباته، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض.. كما في الحديث: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها، نُكِتت فيه نُكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نُكِتت فيه نكته بيضاء حتى يصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر: أسود مربادًا كالكوز مُجَخِيًا، لا يعرف معروفًا، ولا يُنكِر منكرًا، إلا ما أُشرِب من هواه»[6].

فإن استغل الشيطان منه غفلة، تذكر الله فعاد إلي ما كان عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201].

وخلاصة القول: أن التغيير المنشود يستلزم بالإضافة إلى إعادة تشكيل العقل: دخول الأيمان في القلب، وتقويته في مواجهة الهوى، والعمل الدائم علي زيادته حتى يسيطر تمامًا على المشاعر ليعيد القلب إلى كامل صحته وحياته.

فإن كان هذا هو المطلوب للقلب ليحدث التغيير المنشود في السلوك، فكيف يمكن للقرآن أن يفعل ذلك؟!

يتبع في المقال القادم إن شاء الله …


[1] متفق عليه: رواه البخاري (52)، ومسلم (1599).

[2] متفق عليه: رواه البخاري (6542)، ومسلم (174).

[3] أخرجه البخاري  (6/2497 رقم 6424).

[4] حديث حسن: أخرجه الترمذي ( 5/528 رقم 3502)وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم 1268.

[5] حديث صحيح: أخرجه أبو داود (4 / 354، برقم 4683 )، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (5965).

[6] أخرجه مسلم (1/128، رقم 144)، مربادًا: أي يعلوه السواد، ومجخيًا: أي: مقلوبًا.