التربية الإيمانية

ثمار الإيمان (2/4)

من ثمار الإيمان

رابعًا: التأييد الإلهي

الله عز وجل هو مالك الكون وربه ومدبر أمره ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [البقرة/284] .

لا يوجد له شريك في ملكه ، يفعل ما يشاء .. يُقدِّم ويُؤخِّر ، يقبض ويبسط ، يخفض ويرفع ، يُعز ويُذل ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾  [فاطر/2] .

وإن كان البشر كلهم أمام الله سواء فلا أفضلية لجنس أو قبيلة أو لون إلا أنه سبحانه يزيد من إكرامه وعنايته ورعايته للمؤمنين الذين يُحبُّونه ويُؤثرونه على هواهم ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [الجاثية/21] .

فالكرامة على قدر الاستقامة ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات/13].

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن/16] .

وكلما ارتقى العبد في سلم الإيمان ازدادت ولاية الله له ﴿ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف/196].

وفي الحديث القدسي : « ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته »[1].

هذه الولاية والكفاية تشمل الفرد المؤمن ، وتشمل المجتمع المؤمن .

.. فعلى مستوى الفرد :

يتولى الله عز وجل أمور عبده المؤمن بما يُحقق له مصلحته الحقيقية ويجلب له السعادة في الدارين ، وفي بعض الأحيان قد تكون من مظاهر تلك الولاية التضييق على العبد في أمور الدنيا إلا أنها تحمل في طياتها خيرًا كثيرًا ، وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه وسلم : « إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يُحبه ، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه»[2].

الأمة والإيمان :

أما في محيط الأمة ، فلا يكفي إيمان بعض الأفراد – هنا وهناك – لكي تتحقق بهم الولاية والنصرة للأمة ، فالأمة كالجسد الواحد ، لا يكون صحيحًا إلا إذا صحَّت جميع أعضائه . بمعنى أن وجود أفراد صالحين في ذواتهم لا يكفي لاستجلاب المعية والنُصرة الإلهية ، بل لابد وأن يقوموا بالعمل على إصلاح غيرهم – بإذن الله – وأن يبذلوا غاية جهدهم في ذلك من خلال العمل على تقوية الإيمان في قلوبهم ، وتصحيح التصورات والمفاهيم الخاطئة في عقولهم ، ودفعهم إلى طريق التواضع ونكران الذات ، وتعويدهم على بذل الجهد في سبيل الله .

وعندما تشيع معاني الصلاح في الأمة ويرتفع منسوب الإيمان في القلوب ، ولو بنسبة معقولة تتيح للمسلم اتخاذ قرارات التضحية ببعض شهواته ومصالحه من أجل نصرة دينه .. عندئذ يتحقق موعود الله بنصر الأمة – بإذنه سبحانه – مصداقا لقوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد/11] .

وتاريخ الأمة خير شاهد على أنه عندما يغلب الإيمان والصلاح على جيل من أجيال الأمة فإن النصر يكون حليفهم ، والتأييد الإلهي لا يتجاوزهم ..

انظر – إن شئت – إلى آيات القرآن وهي تُقرر وتُؤكد على هذا المعنى في قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران/120] ، وقوله : ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران/125] .

فالآية تؤكد أن الملائكة ستنزل سريعًا لتؤيد المؤمنين ، وتقاتل معهم فور تحققهم بالصبر والتقوى ، وفي المقابل ؛ فعندما يغيب الإيمان ينقطع التأييد الإلهي ، ويُترك المسلمون لأعدائهم ليسوموهم سوء العذاب .

الوعد الحق :

لقد وعد الله عز وجل عباده المؤمنين بالغلبة والنصر : ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [النساء/141] .

هذا الوعد القاطع متى يتحقق ؟ .. يُجيب سيد قطب عن هذا السؤال في تفسيره لهذه الآية فيقول :

 إنه وعد من الله قاطع ، وحُكم من الله جامع : أنه متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين ، وتمثَّلت في واقع حياتهم منهجًا للحياة ، ونظامًا للحكم ، وتجردًا لله في كل خاطرة وحركة ، وعبادة لله في الصغيرة والكبيرة .. فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا .

وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تُخالفها . وأنا أُقرر في ثقة بوعد الله لا يُخالجها شك ، أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين ، ولم تلحق بهم في تاريخهم كله ، إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان : إما في الشعور ، وإما في العمل – ومن الإيمان أَخذُ العدة ، وإعداد القوة في كل حين بنية الجهاد في سبيل الله ، وتحت هذه  الراية وحدها مجردة من كل إضافة ومن كل شائبة – وبقدر هذه الثغرة تكون الهزيمة الوقتية ، ثم يعود النصر للمؤمنين حين يوجدون .

ففي « أُحد » مثلًا ، كانت الثغرة في ترك طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي الطمع في الغنيمة . وفي « حُنين » كانت الثغرة في الاعتزاز بالكثرة والإعجاب بها ونسيان السند الأصيل ! ولو ذهبنا نتتبع كل مرة تخلف فيها النصر عن المسلمين في تاريخهم لوجدنا شيئًا من هذا .. نعرفه أو لا نعرفه .. أما وعد الله فهو حق في كل حين .

.. نعم ، إن المحنة قد تكون للابتلاء .. ولكن الابتلاء إنما يجيء لحكمة ، هي استكمال حقيقة الإيمان ومقتضياته من الأعمال – كما وقع في أُحُد وقصَّهُ الله على المسلمين –  فمتى اكتملت تلك الحقيقة بالابتلاء والنجاح فيه ، جاء النصر وتحقق وعد الله عن يقين .

.. وحين يُقرر النص القرآني : أن الله « لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا » .. إنما يدعو الجماعة المسلمة لاستكمال حقيقة الإيمان في قلوبها تصورًا وشعورًا ، وفي حياتها واقعًا وعملًا . وألا يكون اعتمادها كله على عنوانها . فالنصر ليس للعنوانات . إنما هو للحقيقة التي وراءها .

وليس بيننا وبين النُصرة في أي زمان وفي أي مكان ، إلا أن نستكمل حقيقة الإيمان ، ونستكمل مقتضيات هذه الحقيقة في حياتنا وواقعنا كذلك .. ومن حقيقة الإيمان أن نأخذ العدة ونستكمل القوة .

إن الإيمان صلة بالقوة الكبرى ، التي لا تَضعُف ولا تفنى .. وإن الكفر انقطاع عن تلك القوة وانعزال عنها .. ولن تملك قوة محدودة مقطوعة منعزلة فانية أن تغلب قوة موصولة بمصدر القوة في هذا الكون جميعًا .

غير أنه يجب أن نُفرِّق دائمًا بين حقيقة الإيمان ومظهر الإيمان .. إن حقيقة الإيمان قوة حقيقية ثابتة ثبوت النواميس الكونية ، ذات أثر في النفس وفيما يصدر عنها من الحركة والعمل . وهي حقيقة ضخمة هائلة كفيلة حين تُواجِه حقيقة الكفر المنعزلة المبتوتة المحدودة أن تقهرها[3].

نماذج للولاية والتأييد الإلهي :

والنماذج العملية للتأييد الإلهي للمؤمنين كثيرة ، سواء كان ذلك على مستوى الفرد أو الجماعة المؤمنة .

فعلى مستوى الفرد :

* أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب « مُجابيّ الدعوة » عن أنس بن مالك ، قال : كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكنى أبا معلق وكان تاجرًا يتَّجر بمالٍ له ولغيره ، وكان له نُسك وورع ، فخرج مرة ، فلقيه لِص مُتَقَنِّع في السلاح ، فقال : ضع متاعك فإني قاتلك ، قال: شأنك بالمال ، قال : لستُ أُريد إلا دمك ، قال : فذرني أُصلي ، قال : صلِّ ما بدا لك ، فتوضأ ثم صلَّى ، فكان من دعائه : يا ودود ، يا ذا العرش المجيد ، يا فعَّالًا لما يُريد ، أسألك بعزتك التي لا تُرام [4]، وملكك الذي لا يُضام [5]، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك ، أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني . قالها ثلاثًا ، فإذا هو بفارس ، بيده حربة رافعها بين أذني فرسه ، فطعن اللص فقتله ، ثم أقبل على التاجر ، فقال من أنت ، فقد أغاثني الله بك ؟ قال : إني ملَك من أهل السماء الرابعة ، لما دعوتَ سمعت لأبواب السماء قعقعة ، ثم دعوتَ ثانيًا ، فسُمعت لأهل السماء ضجَّة ، ثم ثالثًا فقيل : دعاء مكروب ، فسألت الله أن يُوليني قتله[6].

* وأخرج الحاكم عن محمد بن المنكدر أن « سفينة » رضي الله عنه – مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال : ركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها ، فركبت لوحًا من ألواحها فطرحني اللوح في أجَمَة[7] فيها الأسد ، فأقبل إليّ يُريدني ، فقلت يا أبا الحارث : أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطأطأ رأسه ، واقبل إليّ ، فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ووضعني على الطريق ، وهمهم ، فظننت أنه يودعني ، فكان ذلك آخر عهدي به [8].

* ولما فتح عمرو بن العاص رضي الله عنه مصر ، أتى أهلها حين دخل بؤنة  ( من أشهُر القبط ) فقالوا له : أيها الأمير ، إن لنيلنا هذا سُنة لا يجري إلا بها ، فقال لهم : وما ذاك ؟ قالوا : إنه كان لثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بِكر بين أبويها ، فأرضينا أبويها ، وجعلنا عليها شيئًا من الحُلي والثياب أفضل ما يكون ، ثم ألقيناها في هذا النيل ، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام ، فإن الإسلام يهدم ما قبله ، فأقاموا أشهُر بؤنة وأبيب ومَسَرى لا يجري قليلًا ولا كثيرًا حتى همُّوا بالجلاء ، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بذلك ، فكتب إليه عمر : قد أصبت ، إن الإسلام يهدم ما قبله ، وقد بعثت إليك ببطاقة ، فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي ، فلما قدِم الكتاب على عمرو فتح البطاقة فإذا فيها:

من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر : أما بعد :

فإن كنت تجري من قِبَلِك فلا تجر ، وإن كان الواحد القهار يُجريك ، فنسأل الله الواحد القهار أن يُجريك .

فألقى عمرو البطاقة في النيل – وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها ، لأنهم لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل – فأصبحوا وقد أجراه الله ستة عشر ذراعًا ، وقطع تلك السُنَّة السوء عن أهل مصر[9].

التأييد الإلهي للفئة المؤمنة :

عندما ننظر إلى المعارك التي خاضها الجيل الأول مع أعداء الدين نجد أن الميزان «المادي» يميل بقوة نحو أعدائهم من حيث العدد والعُدَّة ، ومع ذلك كان النصر حليف المؤمنين، مع الأخذ في الاعتبار بأن الفئة المؤمنة لم تُقصر أبدًا في الأخذ بالأسباب المادية المتاحة أمامها، ولكن كانت تلك الأسباب – مهما بلغت – أقل بكثير مما عند أعدائهم .

 ففي معركة بدر يتجلى التأييد الإلهي في صور متعددة ليتوج في النهاية بنصر عزيز : ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ [الأنفال/11، 12].

*وفي فتح المدائن سخر الله نهر دجلة ليعبُر عليه المسلمون بخيولهم … فبعد انتصار القادسية العظيم – كما يقول ابن كثير في البداية والنهاية – دخل سعد بن أبي وقاص (نهر شير) ولكنه لم يجد فيها أحد ولا شيئًا مما يُغنم ، بل قد تحول الفرس إلى المدائن وركبوا السفن ، وضمُّوا السفن إليهم ، ولم يجد سعد رضي الله عنه شيئا من السفن ( لعبور نهر دجلة ) ، وأخبر سعد بأن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الأموال والأمتعة من المدائن ، وإنك إن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الأمر . فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة فحمد الله وأثنى عليه وقال : إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تَخلُصون( تَصلُون) إليهم معه ، وهم يخلُصون إليكم إذا شاؤوا فيناوشونكم في سفنهم ، وإني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم ، فقالوا جميعًا : عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل ، فندب سعد الناس إلى العبور .. وقد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا : « نستعين بالله ونتوكل عليه ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » ، ثم اقتحم بفرسه دجلة واقتحم الناس ، ولم يتخلف عنه أحد ، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملؤوا ما بين الجانبين ، فلا يُرى وجه الماء من الفرسان والرجَّالة ، وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض ، وذلك لما حصل لهم من الطمأنينة والأمن ، والوثوق بأمر الله ووعده ونصره وتأييده .. ولم يُعدم للمسلمين شيء من أمتعتهم غير قدح من خشب لرجل يقال له مالك بن عامر ، فدعا صاحبه الله عز وجل وقال : اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي ، فرده الموج إلى الجانب الذي يقصدونه ، فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه .

وعندما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا : ديوانًا ديوانًا ، أي : مجانين مجانين . ثم قالوا : والله ما تقاتلون إنسًا ، بل تقاتلون جنًّا .

وخرج المسلمون من النهر ولم يغرق منهم أحد ، ولم يفقدوا شيئًا ، ودخلوا المدائن ولم يجدوا بها أحدًا[10].

************

ومن ثمار الإيمان

 خامسًا : إيقاظ القوى الخفية

عندما يتمكن الإيمان من القلب تزداد رغبة العبد في القيام بكل ما يحبه ربه ويرضاه فتجده يتحدى الصعاب ، ويتحمل الشدائد في سبيل ذلك .

.. الإيمان الحي يوقظ القوى الخفية داخل الإنسان ويجعله دومًا يتحدى أوضاعًا أقوى منه ، ويجتاز مصاعب أعظم بكثير من حدود إمكاناته ..

.. اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة

، وكانوا قلة مستضعفين فقالوا : والله ما سمعت قريش هذا القرآن يُجهر لها به قط ، فمن رجل يُسمعهم إياه ؟ فقال عبد الله بن مسعود : أنا أُسمعهم إياه . فقالوا : إنا نخشاهم عليك ، إنما نريد رجلا له عشيرة تحميه وتمنعه منهم إذا أرادوه بِشَر . فقال : دعوني فإن الله سيمنعني ويحميني .

ثم غدا إلى المسجد حتى أتى مقام إبراهيم في الضحى ، وقريش جلوس حول الكعبة ، فوقف عند المقام وقرأ  : بسم الله الرحمن الرحيم – رافعًا بها صوته –  ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾  [الرحمن/1-4] .

ومضى يقرؤها ، فتأملته قريش وقالت : ماذا قال ابن أم عبد ؟! تبًّا له ، إنه يتلو بعض ما جاء به محمد ، وقاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ، ثم انصرف إلى أصحابه والدم يسيل منه ، فقالوا له : هذا الذي خشينا عليك ، فقال : والله ما كان أعداء الله أهون في عيني منهم الآن ، وإن شئتم لأُغَادينَّهم بمثلها غدًا ، قالوا : لا ، حسبك ، لقد أسمعتهم ما يكرهون [11].

.. وهذا عمرو بن الجموح يرى أبناءه الثلاثة يتجهزون للقاء أعداء الله في أُحد ، فعزم على أن يغدو معهم إلى الجهاد ، لكن الفتية أجمعوا على منع أبيهم مما عزم عليه ، فهو شيخ كبير طاعن في السن ، وهو إلى ذلك أعرج شديد العرج ، وقد عذره الله فيمن عذرهم ، فقالوا له : يا أبانا ، إن الله عذرك ، فعلام تُكلف نفسك ما أعفاك الله منه ؟!

فغضب الشيخ من قولهم ، وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوهم ، فقال : يا نبي الله ، إن أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير وهم يتذرعون بأني أعرج ، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنائه : «  دعوه ؛ لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة » . فخلوا عنه إذعانًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

وما إن أزِف وقت الخروج ، حتى ودع عمرو بن الجموح زوجته ، ثم اتجه إلى القبلة ورفع كفيه إلى السماء وقال : « اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائبًا » . ثم انطلق يُحيط به أبناءه الثلاثة .. ولما حمي وطيس المعركة ، وتفرق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شوهد عمرو بن الجموح  يمضي في الرعيل الأول ويثب على رجله الصحيحة وثبًا وهو يقول : إني لمَشتاق إلى الجنة ، إني لمَشتاق إلى الجنة ، وكان وراءه ابنه « خلَّاد »  ومازال الشيخ وفتاه يجاهدان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرَّا صريعين شهيدين على أرض المعركة ، ليس بين الابن وأبيه إلا لحظات [12].

أعمى يحمل الراية :

وإن تعجب من أثر الإيمان فعَجَبٌ إصرار عبد الله بن أم مكتوم على الجهاد  وهو أعمى ، وسفره مع جيش سعد بن أبي وقاص إلى القادسية لملاقاة الفرس ، وهو لابس درعه ، مستكمل عدته ، فيتقدم ليحمل راية المسلمين … وهو أعمى !! ويحافظ عليها إلى أن قُتل شهيدًا ، وهو يحتضن الراية !![13].

***********

ومن ثمار الإيمان :

سادسًا : الرغبة في الله

كلما ازداد الإيمان بالله عز وجل ازدادت ثقة العبد فيه سبحانه وبأنه مالك الملك ، المتصرف في شؤون كل ذرة فيه ، العليم الخبير الذي لا تغيب عنه أي حركة أو سكنة في هذا الكون .. القادر المقتدر ، الغفور الرحيم … .

وبنمو هذه الثقة في القلب تزداد رغبة العبد في ربه فيصبح ذهنه مشغولًا بالتفكير فيه ، وقلبه حاضرًا معه .. فيتوجه إليه بالأعمال ، ويتزين له بالأفعال التي ترضيه .. يُكثر من مناجاته وبث أشواقه إليه … يسترضيه كلما قصَّر أو زلَّت قدمه … يطلب منه المساعدة في كل أموره ، والشهادة على ما يحدث له .

   وفي المقابل : يصغُر حجم الناس في نظره وتقل الثقة فيهم حتى تنمحي من حيث كونهم لا يملكون له نفعًا أو ضرًّا ، فلا يتزين لهم في أفعاله ، ولا يسعى لعلو منزلته عندهم ، بل يستغني عنهم ، وينقطع من قلبه الطمع فيهم ، ومن ثَّم لا يرائيهم بأقواله أو أفعاله ..

إن الرياء صورة بغيضة تعكس جهلًا عظيمًا بالله عز وجل ، وضعفًا شديدًا في الإيمان به .. هذه الصورة يمكنها أن تضمحل وتنمحي تلقائيًّا بزيادة الإيمان الحقيقي بالله والثقة فيه .

الراغبون في الله :

–     يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر ، فقال : يا رسول الله .. غبتُ عن أول قتال قاتلته المشركين ، لئن أشهدني الله قتال المشركين لَيَرَيَنَّ الله مني ما أصنع .

فلما كان يوم أُحد وانكشف المسلمون ، قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء (يعني : المسلمين) ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعنى : المشركين) ، ثم تقدم فاستقبل سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد ، الجنة ورب النضر ، إني أجد ريحها دون أحد . قال سعد : فما أستطيع أن أصف ما صنع[14].

– ويقول سعد بن أبي وقاص : لما كانت « أحد » لقيَني عبد الله بن جحش وقال : ألا تدعو الله ؟ فقلت : بلى . فخلونا في ناحية ، فدعوت ، فقلت : يارب إذا لقيت العدو فلَقِّني رجلًا شديدًا بأسه ، شديدًا حرده ، أقاتله ويقاتلني ، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله وآخذ سلبه ، فأمَّن عبد الله بن جحش على دعائي ، ثم قال : اللهم ارزقني رجلًا شديدًا حرده ، شديدًا بأسه ، أقاتله فيك ويقاتلني ، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني ، فإذا لقيتك غدًا قلت : فيم جُدع أنفك وأذنك ؟ فأقول : فيك وفي رسولك ، فتقول : صدقت .

قال سعد : كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرًا من دعوتي ، لقد رأيته آخر النهار ، وإن أنفه وأذنه لمعلقان في خيط [15].  

..وعندما أراد مشركوا مكة قتل خبيب بن عدي رضي الله عنه طلب منهم أن يتركوه ليركع ركعتين ، فوافقوا . فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ، ثم أقبل على القوم فقال : أما والله ، لولا أن تظنوا أني إنما طوَّلت جزعًا من القتل لاستكثرت من الصلاة . ثم رفعوه على خشبة ، فلما أوثقوه قال : اللهم إنَّا قد بلغنا رسالة رسولك ، فبلغه الغداة ما يُصنع بنا ..

وبعد أن صلبوه أنشد شعرًا قال فيه :

فذا العرش صبِّرني على ما يُراد بي     فقد بضعوا لحمي وقد بان مطمعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ             يبارك على أوصال شِلْوٍ ممزَّع

لعمري ما أحفِلْ إذا مت مسلمًا         على أي حال كان في الله مضجعي[16]


[1] أخرجه البخاري (5 / 2384، برقم  6137) .

[2] حديث صحيح :  أخرجه أحمد (5/428 ، رقم 23677) . وأخرجه أيضًا : البيهقي في شعب الإيمان (7/321 ، رقم 10450) ، والحاكم (4/231 ، رقم 7465) وصححه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ، ح ( 1814) .

[3] في ظلال القرآن : ( 2/782 ، 783 ) .

[4] لا تُرام : لا تُطلب .

[5] لا يُضام : لا يُذَل .

[6] الإصابة ( 4/182) .

[7] أجمة : شجر كثير ملتف ( غابة).

[8] إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري رقم ( 6848 ) ، ومعرفة الصحابة لأبي نُعيم ، برقم ( 3102 ) ، ودلائل النبوة للبيهقي ، برقم ( 2293 ) .

[9] أخرجه أبو الشيخ في العظمة (4/1424 ، رقم 9373) ، وابن عساكر (44/336) ، انظر حياة الصحابة ( 3/408 ، 409 ) .

[10] البداية والنهاية لابن كثير 7/70-72 باختصار .

[11] صور إيمانية من حياة الصحابة والتابعين 1/314 ، نقلًا عن سير أعلام النبلاء للذهبي ، وصفة الصفوة لابن الجوزي .

[12] سير أعلام النبلاء ( 1/54) ، وتاريخ الإسلام للذهبي ( 2/216 ) ، والبداية والنهاية لابن كثير ( 4/42 ) .

[13] صور إيمانية من حياة الصحابة والتابعين 1/131 ، 132، نقلًا عن الإصابة لابن حجر ، والطبقات لابن سعد ، وصفة الصفوة لابن الجوزي ، والاستيعاب لابن عبد البر .

[14] رواه البخاري  (3 / 1032، برقم 2651) .

[15] أخرجه البيهقي في سننه ( 6/307 ) ، والحاكم في المستدرك ( 2/86 ) وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه ، وأورده الذهبي في السير (1/112 ) .

[16] سيرة ابن هشام ( 2/172 ) ، وسيرة ابن كثير ( 3/130 ) ، وحلية الأولياء لأبي نُعيم ( 1/113 ) ، وسير أعلام النبلاء للذهبي (1/48).