حفظ القرآن

مدارسة وحفظ سورة الناس (1)

من السور الفاضلة، التي ورد في فضل قراءتها أحاديث صحيحة، مثل سورة البقرة وسورة الكهف والمُلك والإخلاص …

وقد احتلت مع سورة الفلق منزلةً خاصةً، فسُميتا “بالمُعَوِّذَتِين”، واحتلتا جزءًا أساسيًا في (الرقية الشرعية ـ أذكار الصباح والمساء ـ أذكار ما قبل النوم ـ الذكر بعد الصلوات الخمس……) ولعل ذلك بسبب امتلائها بالمعاني الإيمانية ومظاهر العبودية الصحيحة من اللجوء إلي الله سبحانه، والاستعانة به والاستغاثة بحفظه وكفايته، والارتماء في حماه وكنفه، والفرار إلى معيته التي لا غنى للعباد عنها…… أو لعل سبب ذلك الفضل أن السورة تُعَرِّفُ القارئَ بخالقه وربه ومالكه وإلهه، والتعريف بالله سبحانه من أبرز جوانب الهداية في القرآن وأهمها، لأن العبودية الصحيحة تُبْنَى على المعرفة الصحيحة وكما قيل: (المعرفة بداية العبودية)…

ولفضل السورتين، استغنى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقراءتهما، جاء ذلك في الأثر الذي ورد عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان يتعوذ من عين الجان، وعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان، أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك) [حديث صحيح أخرجه النسائي وغيره]

وكان يقول عن هاتين السورتين: (لم أر مثلَهما!!) [حديث صحيح، رواه مسلم عن عقبة بن عامر]

فيا للفضل والخير الذي اشتملت عليه السورتان.

ولقد ذكرت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ  أنه صلى الله عليه وسلم “كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: “قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ” و “قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ” و “قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ” ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على برأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، ويفعل ذلك ثلاث مرات”. [حديث صحيح، رواه البخاري]

من جوانب الهداية التي وردت بوضوح في هذه السورة:

1ـ التعريف بالله سبحانه (من هو الله؟).

2ـ التعريف بالشيطان (لعنه الله).

3ـ التعريف بالإنسان : (من هو الإنسان؟).

4ـ حقوق الله سبحانه على عباده…..

“قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)” [الناس: 1 – 6]

“قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ”

حقوق الله سبحانه على العباد:

أن يلجأوا إليه ـ لا لغيره ـ ويعتصموا به ويلوذوا بحماه ليحفظهم من شر كل ذي شر، فلا ملجأ آمن إلا في كنفه وحمايته، ولا أحد غيره سبحانه يُقصدُ وقت نزول الكرب أو وقت الخوف والشدائد، فهو سبحانه أمان الخائفين وملاذ المستضعفين فإذا أساء العبد إلى نفسه وظلمها فلجأ إلى غير مولاه وخالقه فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار، فلا أحد كائنًا من كان يملك له نفعًا أو ضرًا ” قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ” [الأنعام: 46]

من هو الإنسان؟

لا يملك من أمر نفسه شيئا، لا يستطيع دفع الضر عن نفسه أو جلب النفع لها، لذلك فهو محتاج دائمًا وأبدًا إلى حماية ربه ورعايته وحفظه ولقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دائم الاستعانة بالله سبحانه فكان يقول (ولا تكلني إلي نفسي طرفة عين)، [حديث صحيح، الترغيب والترهيب للمنذري] وفي رواية “ولا أقل من ذلك”.

وحينما كان في الغار قال لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) [حديث صحيح، رواه البخاري].

“بِرَبِّ النَّاسِ”

من هو الله سبحانه؟

هو رب الناس، أي: مالكهم والمتصرف في شؤونهم بما يصلحهم، ومربيهم بإنزال نعمه إليهم وإغداق عطائه عليهم بما يناسب أحوالهم…..

“مَلِكِ النَّاسِ”

من هو الله سبحانه؟

هو ملك الناس، وملك كل شيء، يملك أرواحهم وأجسادهم وأنفاسهم وأقدارهم وأعمارهم، وهم مملوكون له، لا يملكون من أمر نفوسهم شيئا ……”إِنَّا لِلهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” [سورة البقرة : 156]

“إِلَهِ النَّاسِ”

من هو الله سبحانه؟

هو الإله المعبود، المستحق للطاعة والتعظيم والعبادة، الظاهر منها والباطن….

فالكفار قد فرقوا بين نوعي التوحيد فاعتزموا بوجود الرب الذي خلق السموات والأرض والبشر “وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهَ” [سورة لقمان : 25]، ولكنهم رفضوا ( توحيد الألوهية ) ، أي رفضوا أن يفردوا الله سبحانه بالعبادة والطاعة؛ وذلك ليهربوا من تكاليف العبودية والتزاماتها.

من هو الله سبحانه؟

الله سبحانه يحب عباده ويريد لهم الخير دائما؛ ودلالة ذلك في الآيات الثلاث هو:

  • أنه يدلهم، ويرشدهم أن يلجأوا إليه ويطلبوا منه الحماية. وأن يستعينوا بحوله وقوته، ليكفيهم شر ما أهمهم فهو وحده القادر علي ذلك .. (ولا يفعل ذلك إلا محب) ..
  • أنه سبحانه ذكر لفظ (الناس) في نهاية الآيات الثلاث الأُولَى، فكرره ثلاث مرات، وكان يمكن الاستغناء عن التكرار باستخدام الضمير، فيقول: (رب الناس وملكهم وإلههم)، ولكن التكرار كان ـ كما قال المفسرون ـ دليل على حب الله سبحانه لعباده.
  • يقول البروسوي: (وتكرير المضاف إليه؛ لمزيد الكشف والتقرير بالإضافة، فإن ما لا شرف فيه، لا يعبأ به ولا يعاد ذكره؛ بل يُترَكُ ويُهمَلُ؛ ولولا أن الناس أشرف مخلوقاته ما ختم كتابه بذكرهم ..
  • يقول سيد قطب رحمه الله تعالى في هذا المعنى:

كأنما يفتح الله ـ سبحانه ـ لعباده حماه، ويبسط لهم كنفه، ويقول لهم في مودة وعطف: تعالوا إلى هنا…… تعالوا إلى الحمى…… تعالوا إلى مأمنكم الذي تطمئنون فيه…… تعالوا فإنا أعلم أنكم ضعاف، وأن لكم أعداء، وأن حولكم مخاوف…. وهنا الأمن والطمأنينة والسلام.