الإيمان والحياة

الهدف الأسمى للإصلاح

الغاية العُظمى من خلق الإنسان هو تحقيقه العبودية لله عز وجل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] .

وجوهر العبودية هو التعلق التام بالله عز وجل، وعدم التعلق بشيء سواه

وأصل التعلق بالشيء هو الاعتقاد في قدرته على النفع والضر، ومن ثم يكون الطمع في نفعه، والخوف من ضره، والخضوع له.

ومن مظاهر التعلق بالشيء: حُبّه واللهفة عليه، والفرح بتحصيله والحزن على فواته، والسعي في إرضائه، وكثرة التفكير فيه.

فالعبودية للمال تعني التعلق به والاعتقاد في قدرته على جلب المنفعة، أو كشف المضرة عن صاحبه، ومن مظاهر تلك العبودية: اللهفة عليه، والحرص على تحصيله، والفرح الشديد بزيادته ونمائه، والحزن على فواته، والشعور بالأمان معه، والخوف والقلق من فقده، وكثرة التفكير فيه، قال صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أُعطِي رضي، وإن لم يُعط سَخِط»[رواه البخاري]

والعبودية للأشخاص تعني التعلق بهم ورجاءهم لاستجلاب النفع كالوصول على منصب، أو الحصول على مال، وتعني كذلك الطمع فيما بأيديهم، والاستقواء بهم، أو الخوف من ضرهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[التوبة: 31].

والعبودية للنفس تعني الإيمان بالنفس وقدراتها ومواهبها، والاعتقاد بأن تلك المواهب والقدرات يمكنها لذاتها أن تجلب لصاحبها النفع وتدفع عنه الضر.

والعبودية لامرأة، أو منصب، أو غير ذلك، تدخل في هذا المعنى: التعلق بالشيء، ورجاء نفعه، وخوف ضره ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾[الفرقان: 43].

مع اعتبار أن العبودية للشيء تختلف من شخص لآخر بحسب درجة تعلقه به.

وفي المقابل فإن العبودية لله عز وجل تعني التعلق التام به، والخضوع له، واليقين بأنه سبحانه مالك النفع والضر، وأن لا أحد سواه يملك مثقال ذرة، في الأرض ولا في السماء حتى الملائكة أو الرسل.. فليس لأحد من دون الله فاعلية ذاتية، ولا يملك أحد من دون الله نفع نفسه أو غيره ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الأنعام: 17] .

هذه العبودية لله عز وجل لن تتحقق بصورة كاملة إلا إذا تحرر المرء من العبودية لغيره، فلن يكون المرء عبدًا حقيقًّا لله إلا إذا تحرر مما سواه.

وقد تكون في المرء عبودية وتعلق بالله، وعبودية وتعلق بغيره، ومن ثَمَّ تختلف درجة العبودية لله بحسب درجة تعلقه به سبحانه، وتحرره من التعلق بغيره.

لذلك فإن جوهر التوحيد هو توحيد التوجه والقِبلة إليه سبحانه، والتعلق التام به، ومن ثَمَّ طاعته وامتثال أوامره، والسعي الدائم نحو مرضاته، ودوام التوكل عليه، والشعور الدائم بالامتنان نحوه ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾[هود:123].

التوحيد الحقيقي هو توحيد التعلق والرجاء.. توحيد القصد والطلب.. توحيد العبادة والاستعانة بالله عز وجل.

هذا التوحيد هو المراد من الخلق، وهو ما بُعثت به الرسل، ونزلت به الكتب ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ…﴾[فصلت:13،14].

وليست دعوة التوحيد مجرد الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق، بل لابد من التعلق به، والاعتقاد الجازم أنه هو النافع الضار ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾[الزمر:38].

وعندما بلغ الصحابة رضوان الله عليهم خبر موت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لم يُصدِّقوا ذلك، وقال عمر بن الخطاب:«والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم» فقال أبو بكر:«أيها الحالف على رِسلك» فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾[الزمر:30]، وقال:﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:144] فانتبه الصحابة سريعًا للأمر وخرجوا من المسجد يتلون ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾[آل عمران:144].

لقد أفاق الصحابة سريعًا من هول الصدمة عندما خوَّفهم أبو بكر بقوله: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت.

فهذه الكلمات جَعَلَت كلًّا منهم يُراجع نفسه سريعًا، ويُراجع مدى تعلقه بالله، هل كان تعلقًا تامًّا أم لا؟

وهل كان حُبُّهم للرسول صلى الله عليه وسلم منشؤه التعلق الشخصي به، أم كان حبُّهم له منطلقًا من كونه المبلغ عن الله والمُربِّي، والقدوة، والدال على طريق الهداية والفلاح..

انتبهوا سريعًا بعد أن ذكَّرهم أبو بكر بالحقيقة، وأنه صلى الله عليه وسلم بشر تجري عليه أحكام البشر﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾[الزمر: 30]

فالربانية هي التعلق التام بالله عز وجل، وعدم التعلق بغيره مهما كان وضعه ومنزلته.